قالت منظمة العفو الدولية إنه بعد مرور 15 عامًا على أحداث 2011 في ليبيا، لا يزال الإفلات الممنهج من العقاب يغذّي الجرائم التي يشملها القانون الدولي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ترتكبها الميليشيات والجماعات المسلحة، في حين يظل تحقيق العدالة وجبر الضرر للناجين وأقارب الضحايا بعيدَيْ المنال.

وأوضحت المنظمة في تقرير لها، أنه بدلًا من تقديم المشتبه بتورطهم في جرائم القتل والتعذيب والإخفاء القسري وغيرها من الجرائم المشمولة بالقانون الدولي وانتهاكات حقوق الإنسان إلى العدالة في محاكمات عادلة، قُتل بعضهم أو ما زالوا طلقاء.

وقال محمود شلبي، الباحث المعني بشؤون مصر وليبيا في منظمة العفو الدولية: على مدى 15 عامًا، أخفقت السلطات الليبية المتعاقبة في تفكيك الشبكات التي تغذّي الانتهاكات المستمرة، لا بل وفّرت التمويل والشرعية لميليشيات سيئة السمعة ودمجت أعضاءها في مؤسسات الدولة من دون تدقيق مناسب. ومن خلال السماح للمشتبه في مسؤوليتهم عن جرائم مشمولة بالقانون الدولي بالإفلات من المساءلة، خانت السلطات الناجين ورسّخت دوامة من العنف وانعدام القانون لا تظهر أي بوادر لانتهائها.

وأضاف التقرير أن مقتل سيف الإسلام القذافي في وقت سابق من هذا الشهر ويؤكد عجز النظام القضائي الليبي عن ضمان المساءلة وعدم رغبته في ذلك، ويُجرّد بشكل لا رجعة فيه الناجين وأقارب الضحايا من حقهم في معرفة الحقيقة والوصول إلى العدالة.

وطالب السلطات الليبية بأن تتعاون بشكل مجدٍ مع المحكمة الجنائية الدولية، وأن تسلّم الأفراد المطلوبين لارتكابهم جرائم يشملها القانون الدولي، وأن تضمن تقديم جميع المشتبه في مسؤوليتهم الجنائية إلى العدالة في محاكمات عادلة”.

منذ إحالة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لحالة ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية في فبراير 2011، لم يُسلَّم إلى المحكمة سوى مشتبه واحد من أصل 14. ففي 1 ديسمبر 2025، سلّمت السلطات الألمانية خالد الهشري، وهو عضو بارز ومخضرم في ميليشيا جهاز الردع، إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وكانت المحكمة قد أصدرت مذكرة توقيف بحقه بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، على خلفية حوادث في سجن معيتيقة في طرابلس الخاضع لسيطرة الجهاز.

وفي 2 فبراير 2026، خاطبت منظمة العفو الدولية النائب العام الليبي للاستفسار عن مكان وجود شخصين اعتُقلا في ليبيا والإجراءات القانونية المتخذة بحقهما، إذ لا يزال وضعهما الحالي غير واضح وسط مخاوف من حمايتهما من المساءلة.

وهذان الشخصان هما أسامة المصري نجيم، الرئيس السابق لإدارة العمليات والأمن القضائي وعضو بارز ومخضرم في ميليشيا الردع، وعبد الباري عياد رمضان الشقاقي، وهو عضو بارز في جماعة الكانيات المسلحة. وحتى وقت نشر هذا البيان، لم نتلقَّ أي رد.

القتل بدلًا من العدالة

شهدت ليبيا نمطًا من قتل الأفراد المشتبه في تورطهم في انتهاكات لحقوق الإنسان، ما يحرم الضحايا من الحقيقة والعدالة اللتين يستحقونهما.

ومن بين المشتبه بهم الآخرين المطلوبين من المحكمة الجنائية الدولية والذين قُتلوا في ظروف غامضة محمود الورفلي، القائد الميداني السابق لفرقة القوات الخاصة (الصاعقة) التابعة للقوات حفتر.

ففي 2017، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقه بتهمة ارتكاب جرائم حرب. وفي 2021، قُتل الورفلي بإطلاق نار في بنغازي، ثاني أكبر مدن ليبيا والخاضعة للقوات حفتر بحكم الأمر الواقع.

كما قُتل قائد ميليشيا آخر سيئ السمعة، عبد الغني الككلي، الملقب بـ “غنيوة”، في ظروف غامضة في طرابلس في 12 مايو 2025، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات مسلحة بين ميليشيات متنافسة في طرابلس.

وكانت منظمة العفو الدولية قد وثّقت جرائم بموجب القانون الدولي وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ارتُكبت بحق ليبيين، فضلًا عن لاجئين وطالبي لجوء ومهاجرين، على يد ميليشيات كانت تحت قيادته، بما في ذلك ميليشيا قوات الأمن المركزي/أبو سليم وجهاز دعم الاستقرار.

وتشمل الجرائم الموثقة الاحتجاز التعسفي والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة والإخفاء لقسري والعنف الجنسي وعمليات القتل غير المشروع. وقد وثقت منظمة العفو الدولية اعتراض أفراد من جهاز دعم الاستقرار للاجئين ومهاجرين في عرض البحر وارتكابهم لأعمال عنف أدّت إلى هلاك أشخاص في البحر.

التقاعس عن التحقيق أو مقاضاة قادة ميليشيات

واصلت الحكومات الليبية المتعاقبة دمج أعضاء الميليشيات والجماعات المسلحة في مؤسسات الدولة من دون إخضاعهم لتدقيق لاستبعاد المشتبه في تورطهم بارتكاب جرائم يشملها القانون الدولي وانتهاكات جسيمة أخرى لحقوق الإنسان. وحتى في الحالات النادرة التي حُلّت فيها بعض الميليشيات أو أُقيل قادتها، لم تُباشَر تحقيقات جنائية بحقهم ولم يُخضع أعضاؤها لأي تدقيق.

في مايو 2025، حلّت حكومة الدبيبة إدارة العمليات والأمن القضائي، التي كان يرأسها أسامة المصري نجيم، ودمجت عناصرها في وزارة الداخلية من دون إجراء تدقيق فردي يستبعد ويحاسب المشتبه في تورطهم بجرائم يشملها القانون الدولي.

وفي الشهر ذاته، أقالت الحكومة لطفي الحراري، الرئيس السابق لجهاز الأمن الداخلي في طرابلس. وكانت منظمة العفو الدولية قد وثَّقت كيف أخضع عناصر الجهاز عشرات الرجال والنساء للاحتجاز التعسفي، والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، والإخفاء القسري. ولم تُجرَ أي تحقيقات جنائية بشأن مزاعم ارتكاب جرائم يشملها القانون الدولي داخل الجهاز خلال قيادته له.

وبموجب نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية، قد يكون القائد العسكري أو الشخص الذي يمارس فعليًا سلطة قائد عسكري مسؤولاً عن الجرائم التي ارتكبها مرؤوسوه إذا كان القائد على علم بالجرائم، أو كان يجب أن يكون على علم بها ولم يمنعها أو يعاقِب عليها.

Shares: