تناول فتحي الشبلي رئيس تجمع الأحزاب الليبية ما ورد في كتاب المبعوثة الأممية السابقة ستيفاني ويليامز بشأن كشفها حقيقة قادة فبراير في كتابها الصادر مؤخرا بعنوان “ليبيا منذ القذافي: الفوضى وطلب السلام”.
وقال الشبلي في مقال رأي، إن ستيفاني ويليامز خرجت في واحدة من أكثر لحظات السخرية السياسية قسوة، لتصف المشهد الليبي بعد 2011 بعبارات تكاد تكون نصًا مسرحيًا من أدب العبث.
واقتبس النص الذي وصفت فيه ويليامز قادة فبراير، قائلة: سياسيون يرون الوطن تذكرة سفر، والسيادة بطاقة دخول إلى فندق فاخر، والمناصب صورًا في ممرات الأمم المتحدة، والتمثيل السياسي دعوة عشاء على طاولة خارجية. دولة تُختزل في بروتوكول، واستقلال يتحول إلى شعار للاستهلاك الإعلامي.
وأوضح أن ويليامز سياسية أمريكية شاركت في إدارة مرحلة ما بعد السقوط، وكانت جزءًا من هندسة المشهد الدولي في ليبيا، تقف اليوم لتقول إن من تصدروا الواجهة لم يكن لديهم مشروع دولة، ولا رؤية، ولا فهم للعلاقات الدولية، ولا إدراك لمعنى السيادة. فجأة انتقلوا – كما قالت – من الهامش إلى غرف القرار، ومن الفراغ إلى تمثيل دولة كاملة.
المفارقة هنا وفق الشبلي، ليست في التوصيف فقط، بل في موقع القائل. من ساهم في صناعة المشهد يصف نتائجه بالكارثية. من جلس مع الأطراف، ونسّق اللقاءات، ورعى الحوارات، يعود ليقول إن الدولة وُضعت في أيدي غير مؤهلين نفسيًا ولا معرفيًا ولا أخلاقيًا لإدارة ملفات سيادية معقدة.
وتابع قائلا: المشهد يبدو كمن يشاهد مسرحية أُخرجت بإشراف دولي، ثم يخرج أحد المخرجين ليعلن أن الممثلين لم يكونوا على مستوى الدور.
ورأى أن الأخطر في كلامها ليس نقد الأشخاص، بل الإشارة إلى أن ليبيا لم تُغزَ بالقوة، بل فُتحت من الداخل. لم تسقط بدبابات، بل بمفاوضات هشة، وضعف خبرة، وأنانية سياسية، ونرجسية فارغة، وعقد نقص أمام الخارج. هنا تتحول الكوميديا إلى مرآة مؤلمة: دولة تُسلَّم لا تُنتزع، وسيادة تُفاوض لا تُصان.
وأشار إلى قول ويليامز بأن الدولة سقطت لأن ممثليها لا يخافون على الوطن، ولا يحترمون مفهوم الدولة، ولا يشعرون بثقل المسؤولية، قائلا: هذا الوصف لم يأتِ من خصم سياسي محلي، بل من حليف دولي للمرحلة التي تلت 2011، وكأننا أمام اعتراف غير مباشر بأن الخلل لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل كان بنيويًا.
الكوميديا السوداء بحسب الشبلي، تبلغ ذروتها حين يتحول الخطاب إلى شهادة متأخرة: الجميع يعلم، والجميع يشتكي، والجميع ينتقد… لكن الوطن ظل يدفع الثمن.
وأضاف أن في هذه المسرحية الطويلة، لم تكن المشكلة في كثرة الشعارات، بل في غياب المشروع. لم تكن في وفرة المؤتمرات، بل في ندرة الرؤية. لم تكن في كثرة الكلمات عن السيادة، بل في غياب ممارستها فعليًا.
وختم بقوله: يبقى السؤال الأكبر هل يكفي توصيف الأزمة بعد سنوات من وقوعها؟ أم أن معركة الوعي الحقيقية تبدأ حين يدرك الليبيون أن الدولة لا تُدار بالمناسبات، ولا تُحفظ بالخطابات، ولا تُستعاد باللوم المتبادل؟


