نعى القيادي السابق في حركة اللجان الثورية ورئيس حزب الحركة الشعبية، مصطفى الزايدي، الدكتور سيف الإسلام معمر القذافي، واصفا هذا الرحيل برصاص على جسد المصالحة.
وقال الزايدي في مقالة له بصحيفة الموقف الليبي، إن الرصاصات الغادرة التي أُطلقت على الشهيد سيف الإسلام معمر القذافي أصابت، فيما أصابت، مشروعَ المصالحة الوطنية الذي رُفع كشعار من عديد القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها مؤامرة 2011 على ليبيا والليبيين.
ورغم جدية كثير من الأطراف الوطنية في الولوج إلى المصالحة باعتبارها مخرجًا آمنًا ووحيدًا للشعب الليبي مما هو فيه، فإن بعض الأطراف المتطرفة المرتبطة عضويًّا بالمشاريع الأجنبية والأجندات الأيديولوجية رأت في المصالحة عملية تمويه لتثبيت أقدامها في ليبيا واستمرارها في الإجهاز على ما تبقى من ليبيا ومن شعبها. ولقد كان الخضر بمختلف توجهاتهم حريصين على فكرة المصالحة رغم علمهم بأن البعض يمارسها كخديعة للوصول إلى أهدافه.
والحقيقة التي كنا نتغاضى عنها أن المصالحة لم تحقق أي شيء لطيف الأخضر، فلم تؤدِّ إلى الإفراج عن السجناء المعتقلين ظلمًا وعدوانًا -ومن أُفرج عنهم لم يتم الإفراج عنهم من خلالها، بل بتفاهمات وترتيبات ثنائية- ولا إلى تسوية ملفات جبر الضرر وردِّ المظالم، ولا حتى إرجاع النازحين والمهاجرين إلى ديارهم بأمن وسلام.
لقد انتظر الخضر طويلًا مخرجًا من الأزمة الليبية بإجراءات عملية لتحقيق المصالحة، وقلنا لمن جاء إلينا يطرح الفكرة إن المصالحة لا تتطلب مؤتمرات ولا ندوات، بل لها اشتراطات وتتطلب إجراءات، وللأسف الشديد لم يتحقق شيء من ذلك. المسألة الأهم أن المجتمع الدولي غطَّى على الأطراف الفبرايرية المتحكمة بالترويج إلى أن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية المصالحة التاريخية، وأعترف أن نسبة كبيرة من الخضر، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام معمر القذافي، صدَّقوا أو تقبَّلوا تلك الكذبة لأسباب أخلاقية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة. لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين.
وبمرور الوقت استُبدلت فكرة الانتخابات الشعبية بمشاريع حوار مشبوهة لتقاسم السلطة بين الأطراف الفبرايرية بشكل عبثي مخجل لمدة 11 عامًا إلى اليوم، وكان من نتائج ذلك المباشرة استمرار الفوضى والهيمنة الأجنبية ونهب مدخرات الشعب الليبي وثرواته، ووضع الليبيين في أغلبهم على حافة الفقر.
رغم كل ذلك كنا نتوهم، للأسف الشديد، أن الأمور قد تتغير، وأن عجلة المصالحة الوطنية قد تنطلق، وانتظرنا إفراجًا غير مشروط عن بقية. الأسرى المعتقلين في سجون الميليشيات، وفي مقدمتهم المناضل عبدالله السنوسي، والمناضل أحمد إبراهيم، والمناضل منصور ضو، لكن طال انتظارنا رغم كثرة الوعود الكاذبة من هنا وهناك.
لقد رفع التيار الأخضر عن قناعة وبصدق شعار: نعم لليبيا الجديدة، ليبيا بالجميع وللجميع، ليبيا لا فبراير ولا سبتمبر. لكن بعض الفبرايريين كانوا يتسترون تحت هذا الشعار في محاولة لاستيعاب التيار الأخضر في مؤامرة فبراير، وهذا أمر من سابع المستحيلات.
لا فبراير ولا سبتمبر كانت تعني في شكلها وموضوعها التخلي عن التشبث بفبراير وسبتمبر لاستمرار الصراع، والبحث عن شعارات جديدة يتفق عليها الجميع ويقبلونها دون ضغط أو خوف.
كانت تظهر أمامنا دائمًا إشارات كنا نقرؤها عن قصد حسن، وهي عدم السماح برفع رايات الخضر ولا الحديث عن أفكارهم وشعاراتهم ومشروعهم بذريعة أن ذلك يثير الفتنة. وضغطنا على أنفسنا بشكل شديد، وقلنا إن استعادة الوطن أكبر من مجرد رايات ومشروعات سياسية واقتصادية وأشخاص ومواقف، ومستقبل الوطن أهم بكثير حتى من تاريخه. ولذلك حاولنا في التيار الأخضر، بمختلف توجهاتنا، بما نستطيع أن نتقدم إلى الأمام وأن نتفاءل بالخير لعلنا نجده، وأن نحسن الظن بالآخر. لكن اليوم، تلك الرصاصات الغادرة التي أُطلقت على جسد سيف الإسلام ستدفعنا إلى إعادة قراءة المشهد.
أقول بكل أسف إن ملف المصالحة الوطنية قد أُغلق، وإنه لم يعد أمام التيار الأخضر من سبيل إلا التمسك بمبادئه وخوض كفاح وطني شامل بكل الوسائل المتاحة للدفاع عن نفسه ومشروعه، لأنه الوحيد الموثوق والقادر على استعادة الدولة الليبية الموحدة المستقلة المستقرة التي ينعم مواطنوها جميعًا بحقوق متساوية وعدالة تامة.
من جانب آخر، قد تكون هذه فرصة للوطنيين الصادقين من الصف الفبرايري للتحلي بالشجاعة والجدية، وأن يفوتوا فرصة الانجرار إلى فتنة كبرى وصراع مجتمعي سيكون مدمرًا بلا شك، وأن يقدموا مبادرة واضحة لا لبس فيها للمصالحة الوطنية تتركز على:
أولًا: الكشف التام عن جريمة اغتيال الدكتور سيف الإسلام.
ثانيًا: الإفراج الفوري عن الإخوة المناضلين من قادة التيار الأخضر الموجودين في السجون.
ثالثًا: الدخول في حوار جاد مع التيار الأخضر دون شروط لبناء دولة جديدة، لا نزال نقبل أن تكون لا فبراير ولا سبتمبر، رغم إيماننا التام بأن الشعب الليبي في معظمه يرى أن الفكر السبتمبري قائم على العدل والمساواة والحرية الحقيقية والسيادة التامة لليبيا.
وإلى ذلك الحين، على التيار الأخضر ألا ينسيه الحزن على اغتيال سيف الإسلام واجبه الوطني ودوره القيادي في المجتمع الليبي.
وبهذه المناسبة الحزينة، الدعوة إلى المجموعات المسلحة لإعادة تقييم الموقف، فهم المتضررون الأكثر مما يجري، وألا يقبلوا على أنفسهم أن يكونوا أدوات لتدمير ليبيا وإرهاب شعبها.


