سلطت صحيفة العرب اللندنية الضوء على تصريحات خالد المشري الرئيس السابق لمجلس الدولة الاستشاري، التي انتقد فيه طريقة عمل البعثة الأممية في ليبيا.

المشري اعتبر تحركاتها تفتقر إلى المنهج التراكمي والرؤية المترابطة، وأن كل مبعوث أممي يبدأ من نقطة الصفر دون البناء على ما سبقه، ما يكرّس حالة الدوران في حلقة مفرغة ويُبقي الأزمة الليبية مفتوحة على كل الاحتمالات.

وأفادت الصحيفة في تقرير لها، أن هذا النهج أعطى الأطراف الليبية المتصارعة ذريعة دائمة للمماطلة، فهم يدركون أن كل مرحلة تفاوضية جديدة تبدأ بصفحة بيضاء، مما يسمح لهم بإعادة التفاوض على ما تم الاتفاق عليه سابقا، أو انتظار تغيير المبعوث.

وأوضحت أن استمرار البعثة الأممية على نهجها الحالي من “الجَعجَعة بلا طحن” يعني المزيد من الدوران في حلقة مفرغة، حيث تتكرر المحادثات في فنادق خمس نجوم دون تقدم ملموس.

وبحسب التقرير، في عهد غسان سلامة (2017- 2020) أطلقت خطة عمل طموحة شملت ملتقى وطنيا جامعا كان يهدف إلى توحيد الأطراف ووضع أسس صلبة للانتقال الديمقراطي.

ومع ذلك، فإن تعثر الملتقى مع اندلاع معارك طرابلس في أبريل 2019 لم يكشف فقط عن هشاشة الجهود الأممية، بل أيضا عن قدرة الأطراف المحلية والإقليمية على نسف أي تقدم لا يتماشى مع حساباتها الضيقة.

وبدلاً من التقدم نحو حل دائم، انتقلت البعثة إلى وضع الإدارة الطارئة، محاولةً الحفاظ على وقف إطلاق نار هش وإدارة جولات حوارية متكررة دون وجود آلية حقيقية لفرض مسار سياسي ملزم أو محاسبة المعرقلين.

وأضاف التقرير أن هذا النمط لا يعكس فقط فشلاً تكتيكيّا، بل يكشف عن عيوب بنيوية أبرزها غياب المنهج التراكمي والذاكرة المؤسسية: كل مبعوث جديد يصل إلى طرابلس يبدأ عمله كأنه يواجه أزمة جديدة كليّا.

بعد سلامة، جاءت ستيفاني ويليامز كمستشارة مؤقتة، ثم عبدالله باتيلي الذي استقال في أبريل 2024 بعد فشل ذريع في تنظيم حوار سياسي يؤدي إلى انتخابات.

كل واحد اقترح مسارات متعددة -سياسية، أمنية، اقتصادية، وحقوقية- لكنها بقيت نظرية ومجزأة، دون ترجمة عملية في الملفات الحاسمة مثل توحيد السلطة التنفيذية أو إجراء الانتخابات أو تحقيق المصالحة الوطنية.

الحوار السياسي الليبي في جنيف 2020 أدى إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية مؤقتة، لكنه تعثر بسبب خلافات حول القوانين الانتخابية والمقاييس الدستورية.

اليوم، مع اقتراح مسارات أربعة جديدة، يتكرر السيناريو نفسه: حوار مهيكل لا يستند إلى أجسام شرعية، بل يقتصر على أعضاء مختارين دون آلية رسمية للتمثيل الشعبي، مما يجعله معزولاً عن الشرعية المؤسسية والشعبية، وأداة في أيدي النخب التي تهدف إلى شرعنة وتكريس وضعها القائم.

ورأى أن المشكلة ليست في التشخيص، بل في غياب الإرادة السياسية الحقيقية والآليات الفعالة لإنهاء المراحل الانتقالية الطويلة التي تحولت إلى حالة دائمة.

وأكد التقرير أن استمرار الاعتماد على الحوار كبديل عن الحسم الانتخابي يعمق الجمود، إذ يسمح للأطراف المتخاصمة بالحفاظ على مواقعها ومكاسبها دون تقديم تنازلات حقيقية.

وبين أن تعثر الانتخابات في 2021 بسبب خلافات حول شروط الترشح يعكس بشكل جلي خوف النخب من فقدان السيطرة والامتيازات، مما يزيد من تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يدفع ثمنها المواطن العادي من خلال انهيار الخدمات، وتفشي الفقر، وتراجع قيمة العملة.

وذكر التقرير أنه للخروج من هذه الحلقة المفرغة، يتطلب الأمر أكثر من مجرد تعديل تكتيكي؛ إنه يحتاج إلى نقلة استراتيجية وجرأة سياسية، يجب أن تتحول الرؤية إلى خطة عملية مركزة تركز على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة.

المستفيد الأكبر من استمرار هذا الوضع تحالف من الجماعات المسلحة والجهات التي تسيطر على الاقتصاد الموازي والإعلام، والنخب السياسية المرتبطة بها. فهذه القوى تتحكم في تدفقات النفط والتهريب، وتستفيد من الفراغ السياسي وغياب الدولة لتعزيز نفوذها ومراكمة ثرواتها.

Shares: