كشف الدكتور سيف الإسلام القذافي حقيقة ما يسمى باستقلال ليبيا أو ما سُمّي «استقلال الصدفة»، لا سيما أن هذا المصطلح ورد صراحة في كتابات أدريان بيلت، ممثل الأمم المتحدة في ليبيا، والذي يُعد مهندس هذه العملية.

وأوضح سيف الإسلام عبر حساباته على مواقع التواصل، أن ما يسمى استقلال ليبيا، جاء نتيجة الصراع بين الكتلتين الشرقية والغربية، وفي سياق الصراع الدولي والحرب الباردة.

كان هناك صراع بين الاتحاد السوفيتي من جهة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية، وإيطاليا، على السيطرة على ليبيا.

هذا الصراع نقل القضية الليبية إلى الأمم المتحدة كحلٍّ وسطٍ للتهرب من ضغط ستالين في الحصول على جزء من الكعكة الليبية، عندما كان الاتحاد السوفيتي يسعى إلى فرض قرار بالوصاية الثلاثية (الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والاتحاد السوفيتي) على ليبيا، والتي يطمح من خلالها إلى إقامة قواعد عسكرية له فيها، الأمر الذي تحقق بعد ست وستين سنة.

كان الاتحاد السوفيتي، والكتلة الشرقية، والدول التي تدور في فلكه، تطالب بقرار الوصاية حتى يكون للاتحاد السوفيتي موطئ قدم في ليبيا، ويصل إلى «المياه الدافئة» — كما يسمونها — في البحر المتوسط، في حين كانت الدول الغربية تريد الاستقلال لأنه:
1-يقطع الطريق على خطة الاتحاد السوفيتي، ويمنع أطماع إيطاليا لعودة نفوذها إلى طرابلس تحت غطاء الوصاية، والتي كان مخططًا أن تستمر عشر سنوات أخرى، بينما يمكّن خيار الاستقلال الدول الغربية الثلاث، عقد اتفاقيات القواعد مع ليبيا بمعزل عن الاتحاد السوفيتي الذي كان سيصر في حالة الوصاية على تواجد عسكري أسوة بالدول الغربية.
2- الوصايا ستجبر هذه الدول على الإنفاق على الشعب الليبي ورعايته لعدم وجود دولة، وهذا ما لا تريده الدول الغربية.
3- الأمم المتحدة كانت تحتاج إلى أي نصرٍ دبلوماسي بعد فشلها في فلسطين.
4- الحرب الباردة بدأت تتحدد معالمها، وبالتالي كان الغرب يسعى لحسم موضوع ليبيا، لتكون مقرًا لقواعده التي سيستخدمها في مواجهة الاتحاد السوفيتي.
5- السعي إلى استغلال موارد النفط؛ إذ أيقنت هذه الدول أن ليبيا مرشّحة لأن تصبح دولة نفطية، بعد اكتشافه عمليًا لأول مرة سنة 1938 غرب مدينة مصراتة، على يد العالم الجيولوجي الإيطالي أرديتو ديسيو، الذي اكتشف أيضًا حوض سرت، وتنبّأ بأنه غني بالنفط، وهذا ما حصل بعد عام 1958.

وهيمنت الشركات الأمريكية والبريطانية على قطاع النفط الليبي، فأحكمت بريطانيا سيطرتها على نفط شرق ليبيا عبر مخطط واضح بدأ بالتحكم في حقل السرير منذ اكتشافه عام 1959، ثم ربطه بخطوط أنابيب مباشرة إلى ميناء مرسى الحريقة قرب طبرق، لتحكم قبضتها على الإنتاج والنقل والتصدير على كل حقول المنطقة الشرقية بعد ذلك.

بينما سيطر الأمريكان على نفط وسط ليبيا (حوض سرت) في إطار ترتيبات اقتصادية وسياسية كرّست النفوذ الغربي في البلاد.

كانت الكتلتان، وهما الكتلة التي تدعم الاتحاد السوفيتي وتدعو للوصاية، والكتلة التي تدعم الاستقلال بقيادة أمريكا وبريطانيا وفرنسا، في الأمم المتحدة شبه متساويتين، ففي آخر تصويت كان هناك تكافؤ، وكانتا محتاجتين إلى صوتٍ واحدٍ يرجّح الكفة.

وهنا جاءت القصة الظريفة لمندوب هاييتي في الأمم المتحدة (إميل سان لو)، الذي قِيل إنّه كان مخمورًا، وفي طريقه إلى الحمام، عندما التقاه علي نورالدين العنيزي، الذي كان في ذلك الوقت مسؤولًا في أمانة جامعة الدول العربية، وأقنعه بالتصويت لصالح استقلال ليبيا بعد أن أهداه حصته من المجاملات على خطابه خلال النقاش العام في اللجنة الأولى.

وانتشرت الأخبار أنّ هاييتي أقالته من منصبه؛ لأنّه خالف تعليماتها بعدم التصويت لصالح الاستقلال، وصوّت لصالحه تحت تأثير السكر ومجاملات العنيزي معًا، ولهذا، الملك إدريس فيما بعد عيّنه مستشارًا للسفارة الليبية لدى الولايات المتحدة، ومنحه راتبًا شهريًا لبقية حياته، وإن صحت قصة التبول هذه، فإنّها تُعتبر أشهر قصة تبول في التاريخ.

كان استقلال ليبيا نتيجة الصراع بين الكتلتين الشرقية والغربية، ولهذا سُمّي «استقلال الصدفة، ووهذا ما أكدته وثائق المرحلة نفسها، إذ لم يكن الاستقلال الليبي سنة 1951 قرارًا وطنيًا خالصًا، بقدر ما كان استجابةً لحاجة استراتيجية غربية فرضتها توازنات الحرب الباردة، ورغبة القوى الغربية في قطع الطريق على الاتحاد السوفيتي، وتأمين موطئ قدمٍ عسكري واقتصادي دائم في جنوب المتوسط.

Shares: