في الوقت الذي تنتظر فيه الدولة الليبية عوائد استثماراتها الخارجية لدعم اقتصادها، يكشف تقرير ديوان المحاسبة لعام 2024 عن واقع صادم داخل الشركة العربية الليبية للاستثمارات الخارجية (لافيكو)، حيث تحولت مئات الملايين من أموال الشعب إلى “رهائن” في قبضة شركات متعثرة، وسط عجز إداري مريب عن التحصيل أو الحسم.

ما يحدث اليوم في لافيكو، تحت قيادة موسى عتيق، ليس مجرد إرث ثقيل من الماضي كما يُروج، بل “فشل في إدارة الحاضر” بامتياز؛ فأن تظل ديون عالقة منذ مطلع التسعينيات بلا تسوية، وأن تُترك قروضٌ دولية بلا ضمانات حقيقية أو جداول زمنية للسداد، هو تقصير لا تغطيه مبررات “القدم”، بل تفضحه لغة الأرقام التي تتحدث عن نزيف حاد يهدد بتآكل رأس مال الشركة السيادي.

وتكشف تفاصيل التقرير أن الإدارة الحالية، التي قضت 3.5 سنوات من أصل فترة التقييم، كانت شاهدة على تضخم محفظة قروض بلغت 2.264 مليار دينار، دون أن تنجح في انتزاع حقوق الشركة من شركات مثل “مدآفيا” التي بلغت نسبة تحصيل أصل قرضها صفر بالمائة رغم انقضاء أجل سداده منذ سنوات، أو شركة “ANILIB” التي يمتد تعثرها لأكثر من ثلاثة عقود دون إجراء قانوني رادع.

ولم يتوقف الأمر عند حدود الفشل في الجباية، بل امتد ليرسم علامات استفهام كبرى حول الفوضى المحاسبية وتضارب الدفاتر بين لافيكو والمقترضين.

كما ظهر في ملفي شركتي “تورقانس” و”لامكو”، حيث تغيب مئات الآلاف من العملات الصعبة بين أرقام السجلات وردود الشركات.

وتتبلور الكارثة المالية الحقيقية في سياسة “المخصصات”، حيث اضطرت الإدارة للاعتراف محاسبياً بضياع 28 مليون دينار كخسائر محققة في عام 2023 وحده، مع وجود خطر محدق يهدد بضياع مبالغ تتراوح بين 180 و260 مليون دينار أخرى كخسائر محتملة نتيجة هشاشة الضمانات وتقادم الديون.

هذا المشهد يضعنا أمام حصيلة مرعبة؛ نزيف مالي قد يصل إلى 290 مليون دينار، وهو ما يمثل طعنة في خاصرة رأس مال الشركة بنسبة تقارب 8%.

تقرير المحاسبة يضع النقاط على الحروف، مؤكداً أن تكوين المخصصات ليس إنجازاً إدارياً، بل إقرار رسمي بالهزيمة أمام المقترضين، واعتراف صريح بأن “لافيكو” تحت إدارتها الحالية باتت ممولاً عالي المخاطر يُفرط في أصوله بدلاً من تنميتها، مما يحول الاستثمارات الخارجية من ركيزة للأجيال إلى ثقوب سوداء تبتلع ثروات البلاد.

ويبقى السؤال المعلق في أروقة الشركة العربية الليبية للاستثمارات الخارجية: إلى متى سيظل منطق (المخصصات) هو الحل الوحيد المتبع لمواجهة الفشل في التحصيل؟ إن السياسة الحالية التي انتهجتها إدارة موسى عتيق، والمتمثلة في الاعتراف بالخسائر دون معالجتها أو محاسبة المقترضين، لا تعدو كونها استنزافاً منظماً لأصول الدولة.

فبينما تتحدث لغة الأرقام عن ضياع قرابة 8% من رأس مال الشركة في ملف القروض وحده، يضع ديوان المحاسبة، هذه الحقائق أمام الجهات الرقابية والقضائية، ليؤكد أن وقت الصمت قد انتهى، وأن حماية ما تبقى من ثروات الليبيين تتطلب وقفة حازمة تعيد هيكلة هذه المحفظة المترهلة قبل أن يستفحل النزيف ويأتي على ما تبقى من رأس مال الشركة.

Shares: