قبل 6 سنوات، شنّت مليشيات خليفة حفتر، المدعومة إقليميًا ودوليًا، هجومًا واسع النطاق على العاصمة طرابلس، مقر حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا آنذاك.

واستمر الهجوم لأكثر من عام، مخلفًا آلاف القتلى والجرحى ودمارًا هائلاً في البنية التحتية والممتلكات المدنية، وكاشفًا عن دور إقليمي ودولي متصاعد في الصراع الليبي.

وبرز دور دولة الإمارات كداعم رئيسي لحفتر في هجومه على طرابلس، فيما تشير تقارير دولية وتحقيقات صحفية إلى أن الإمارات قدمت دعمًا لوجستيًا وماليًا وعسكريًا كبيرًا لقوات حفتر.

وتضمن هذا الدعم إمدادات من الأسلحة والذخائر والمرتزقة، بالإضافة إلى طائرات مسيرة صينية الصنع (Wing Loong II) لعبت دورًا محوريًا في العمليات القتالية، بما في ذلك شن غارات جوية مكثفة على مواقع حكومة الوفاق وأهداف مدنية في طرابلس وضواحيها.

وفي المقابل، تدخلت تركيا بشكل حاسم لدعم حكومة الوفاق في طرابلس، استجابة لطلب رسمي من هذه الحكومة.

وقدمت أنقرة دعمًا عسكريًا ولوجستيًا وتقنيًا لحكومة الوفاق، بما في ذلك إرسال مستشارين عسكريين وطائرات مسيرة تركية متطورة (بيرقدار TB2) وأنظمة دفاع جوي.

ولعبت الطائرات المسيرة التركية دورًا حاسمًا في تغيير ميزان القوى على الأرض، حيث تمكنت من استهداف مواقع قوات حفتر وتدمير آليات عسكرية وشل قدرتها الهجومية، مما ساهم بشكل كبير في إفشال محاولات اقتحام طرابلس.

وخلّف هجوم حفتر على طرابلس، الذي استمر من أبريل 2019 حتى يونيو 2020، حصيلة كارثية على المستوى الإنساني والمادي.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية إلى مقتل وإصابة الآلاف من المدنيين والعسكريين.

كما تسبب القصف العشوائي والغارات الجوية في دمار واسع للمنازل والمستشفيات والمدارس والبنية التحتية الحيوية في طرابلس وضواحيها، مما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان وتفاقم الأوضاع الإنسانية.

وبعد توقف الأعمال العدائية، لا تزال “مخلفات الحرب” تشكل خطرًا قاتلًا على المدنيين في ليبيا.

وتشمل هذه المخلفات الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة والقذائف العشوائية التي خلفتها سنوات الصراع.

ووفقًا لتقارير المنظمات العاملة في مجال إزالة الألغام، فقد أسفرت هذه المخلفات عن مقتل وإصابة أكثر من 300 شخص في ليبيا خلال الـ 6 سنوات الماضية، غالبيتهم من المدنيين، بمن فيهم أطفال.

ويؤكد هذا الواقع المأساوي على الحاجة الملحة إلى تكثيف جهود تطهير المناطق المتضررة من مخلفات الحرب وتوعية السكان بمخاطرها.

ولم يقتصر تأثير هجوم حفتر على طرابلس على الساحة الليبية الداخلية، بل امتد ليشمل تداعيات إقليمية ودولية واسعة.

وكشف الصراع عن الانقسام العميق في المواقف الدولية تجاه الأزمة الليبية، وتسبب في تصاعد التوترات الإقليمية بين الأطراف الداعمة للفصائل المتناحرة.

ولا يزال التدخل الأجنبي يمثل تحديًا كبيرًا أمام جهود تحقيق الاستقرار والسلام الدائمين في ليبيا.

كما يمثل هجوم حفتر على طرابلس محطة مفصلية في تاريخ الصراع الليبي الحديث؛ كشف عن حجم التدخل الإقليمي والدولي وتأثيره المدمر على البلاد.

وبينما توقفت العمليات العسكرية الكبرى، لا تزال آثار الحرب ماثلة في الخسائر البشرية والدمار الواسع والخطر المستمر الذي تمثله مخلفات الحرب.

ويبقى تحقيق سلام دائم ومستدام في ليبيا مرهونًا بتوحيد الجهود الوطنية وإنهاء التدخلات الخارجية والالتزام بقرارات الشرعية الدولية.

Shares: