على الرغم من تراجع الدولار في الأسواق العالمية، بفعل تراجع الضغوط التجارية الأميركية على أوروبا، إلا أن السوق الليبية تبدو مُنفصلة عن تلك التحولات.

حيث واصل الدولار ارتفاعه أمام الدينار وسط أزمة نقدية تتجاوز كونها مجرد تقلبات في سعر الصرف، إلى أزمة مرتبطة بانقسام سياسي ومؤسسي عميق.

المشهد الاقتصادي الليبي بات يعكس أزمة مركبة، إذ تتداخل فيه الاختلالات النقدية والسياسية مع غياب موازنة عامة موحدة، وضعف أدوات الدولة في تنظيم الإنفاق العام وإدارة الموارد، ما حمّل المصرف المركزي أعباء تتجاوز صلاحياته، وأفقد أدواته الفاعلية في ضبط السوق وحماية قيمة الدينار.

وخلال مشاركات في برنامج «وسط الخبر» على قناة «الوسط» (Wtv)، أجمع خبراء اقتصاديون وسياسيون على أن استمرار ارتفاع الدولار محليًا، رغم تراجعه خارجيًا، يوضح أن المؤثرات الحقيقية في ليبيا داخلية وليست دولية، مشيرين إلى أن المواطن يبقى الخاسر الأكبر في اقتصاد يعتمد على الاستيراد ويفتقر إلى شبكة حماية اجتماعية فعّالة.

وحذّر الخبراء من توسع اقتصاد الظل وتحول السوق الموازية إلى منظومة شبه متكاملة تستفيد من فارق السعر بين السوق الرسمية والموازية، بما يهدد الأمن الاقتصادي والاجتماعي ويزيد مستويات الفقر والتهميش.

وقال وكيل وزارة المالية السابق، مراجع غيث، إن أزمة العملة في ليبيا “لا علاقة لها عمليًا بالأسواق العالمية”، بل ترتبط بـ“انقسام سياسي ومؤسسي عطّل وجود حكومة واحدة وموازنة موحدة تضبط الإنفاق العام”.

وأضاف في تصريحات صحفية، أن غياب الموازنة جعل الطلب على النقد الأجنبي مفتوحًا للمضاربة، وحوّل السوق إلى بيئة للطلب الوهمي، فيما يتحمل المصرف المركزي وحده السياسة النقدية في غياب للسياسة المالية والتجارية.

وأوضح غيث أن تأثير ذلك يُترجم مباشرة في الأسعار، مُحذرًا من ارتفاع معدلات الفقر إلى ما بين 30 و50%، وهو ما اعتبره “كارثة في دولة نفطية”.

من جهته، رأى الباحث السياسي والاقتصادي عبدالرحيم الشيباني أن المواطن “أصبح الحلقة الأضعف في المعادلة”، معتبرًا أن الحديث عن إصلاح اقتصادي في ظل ازدواجية الحكومات وإنفاق مزدوج “أمر نظري أكثر منه عملي”، داعيًا إلى تدخلات استثنائية ومسؤولية سياسية مفقودة.

أما عضو هيئة التدريس بجامعة بنغازي صالح بالخير، فاعتبر أن ليبيا “تحولت إلى ساحة تقاطع مصالح دولية نتيجة غياب الحل الداخلي”.

في حين رأى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة حسن نافعة أن التحولات التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب “تُسرّع تراجع النفوذ الأميركي بدل تعزيزه”، بفعل سياسات تقوم على القوة والمصلحة على حساب التحالفات.

Shares: