أكد الخبير الاستراتيجي في التنمية الاقتصادية، الدكتور خالد الكاديكي، أن معالجة الإشكاليات الاقتصادية في ليبيا لا يمكن أن تتم عبر إجراءات منفردة أو قرارات تقنية محدودة، بل تتطلب حزمة إصلاحات متكاملة تشمل الجوانب النقدية والمالية والمصرفية والإدارية، إلى جانب البعد السياسي والمؤسسي، بما يراعي خصوصية الواقع الليبي وتعقيداته.
وأشار الكاديكي في تصريحات لوكالة “سبوتنيك” الروسية إلى أن الإصلاح النقدي يجب أن ينطلق من داخل مصرف ليبيا المركزي عبر إنهاء حالة الازدواج الإداري وتوحيد المؤسسة والسياسة النقدية، بما يضع حداً لتضارب القرارات ويعيد الانسجام للتعليمات الصادرة للمصارف التجارية، إلى جانب نشر بيانات مالية موحدة وشفافة تعزز الثقة العامة.
وشدد الكاديكي على أهمية ضبط الكتلة النقدية من خلال إيقاف التوسع غير المبرر في طباعة العملة، وسحب فائض السيولة من السوق باستخدام أدوات نقدية فعالة، مع تشجيع الادخار بدل الاكتناز النقدي.
وأضاف أن الحل في سعر الصرف يكمن في الانتقال التدريجي إلى سعر صرف موحد ومرن مُدار، يهدف إلى تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، مع مراجعة الضريبة المفروضة على النقد الأجنبي أو استبدالها بأدوات أكثر كفاءة وأقل تشويهاً للسوق.
كما أشار الكاديكي إلى ضرورة إعادة هيكلة المصارف التجارية ومعالجة الديون المتعثرة، ودمج أو تصفية المصارف الضعيفة، ورفع كفاءة الإدارة والحوكمة، مؤكداً أن تفعيل أنظمة الدفع الإلكتروني يقلل الاعتماد على النقد الورقي ويعزز الشمول المالي.
وشدد على استعادة الثقة بين المواطن والمصرف عبر ضمان السحب المنتظم وحماية الودائع وتحسين جودة الخدمات المصرفية.
ودعا الكاديكي إلى ضبط الإنفاق العام، وتقليص المصروفات غير المنتجة، ومراجعة بند المرتبات والدعم، وإيقاف الصرف خارج الميزانية، مؤكداً أن توحيد الميزانية وربط الصرف بالإيرادات الفعلية وتفعيل الرقابة يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الانضباط المالي.
وأوضح أن الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية تتطلب تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، ودعم الزراعة والصناعة والخدمات، وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، إلى جانب مكافحة السوق السوداء والفساد من خلال الربط بين الاعتمادات والاستيراد الحقيقي وتفعيل الأجهزة الرقابية والقضائية.
وأكد أن أساس أي إصلاح اقتصادي هو الاستقرار السياسي والمؤسسي عبر إنهاء الانقسام وحماية استقلال مصرف ليبيا المركزي وتحييد الاقتصاد عن الصراع السياسي.
واختتم الخبير الاستراتيجي حديثه بالتأكيد على أن أزمة السيولة وسعر الصرف ليست أزمة نقدية فحسب، بل هي نتاج انقسام مؤسسي، وإنفاق غير منضبط، وضعف في الثقة، واقتصاد ريعي، والحل يكمن في توحيد المؤسسات، وتقليل الاعتماد على النقد الورقي، وتحقيق انضباط مالي، واعتماد سعر صرف واقعي، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة.


