أكد الخبير الاقتصادي خالد الكاديكي أن تقرير ديوان المحاسبة لعام 2024 يُعد من أهم التقارير الرقابية في المرحلة الراهنة.
وارجع في تصريحات مرئية، لما يحمله من دلالات خطيرة تتعلق بتجاوزات واسعة في الإنفاق العام من قبل عدد من القطاعات الحكومية، مقارنة بالميزانيات التقديرية والسياسات المالية المعتمدة.
وأوضح الكاديكي، أن أهمية التقرير لا تقتصر على عرض الأرقام والمؤشرات المالية فقط، بل تكمن في كونه تقريرًا ترتب عليه مسؤوليات قانونية مباشرة، إذ يُحال عادة إلى هيئة مكافحة الفساد والنائب العام، ما يجعله أداة رقابية وقانونية محورية لمتابعة الإيرادات والمصروفات العامة للدولة.
وأشار إلى أن التقرير يعكس بوضوح حجم الإنفاق الحكومي ومصروفات القطاعات والهيئات التابعة لها، مؤكدًا أن ضخامة الأرقام الواردة ليست مفاجئة في ظل التضخم الكبير في الإنفاق العام الذي شهدته ليبيا خلال السنوات الأخيرة.
ولفت إلى أن مؤشرات الانحراف في الصرف العام كانت واضحة منذ فترة، من خلال التقارير الربع سنوية التي يرفعها المراقبون الماليون إلى ديوان المحاسبة، والتي أظهرت اختلالات كبيرة بين الصرف الفعلي والميزانيات التقديرية، إلا أن هذه الملاحظات لم تُعالج بالشكل المطلوب.
وبيّن الكاديكي أن العام الماضي شهد إنفاقًا واسعًا خارج الأطر الرقابية الفاعلة، رغم وجود أجهزة رقابة مالية، وهو ما انعكس بوضوح في تقرير 2024 الذي كشف عن مؤشرات خطيرة في إدارة المال العام.
كما سلط الضوء على أن التقرير كشف عن تجاوزات مالية غير مسبوقة بمليارات الدنانير طالت قطاعات حيوية، على رأسها التعليم والدفاع والصحة، إضافة إلى البعثات الدبلوماسية في الخارج.
وأكد أن أكبر الفواجع تمثلت في قطاع التعليم، حيث سُجل تأخر كبير في تنفيذ المشاريع يقابله إنفاق ضخم للغاية دون نتائج متناسبة، إلى جانب تجاوزات مالية صادمة في وزارة الدفاع وقطاع الصحة والبعثات الدبلوماسية بالخارج، لم يُسجل لها مثيل بهذا الحجم من قبل.
وأرجع الكاديكي هذه الاختلالات إلى جملة من الأسباب، أبرزها غياب الرقابة الفعلية على أوجه الصرف، وضعف دور المراقبين الماليين داخل القطاعات المختلفة، إضافة إلى الانقسام السياسي وغياب حكومة موحدة، ما أدى إلى فقدان سياسة مالية واضحة وعدم وجود ميزانية معتمدة يمكن متابعتها ومراقبتها.
وأوضح أن ضعف أدوات الرقابة لدى الجهات المختصة، مثل ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية، منح السياسة النقدية دورًا أكبر في اتخاذ القرارات المالية، ما ساهم في انفلات الإنفاق العام.
وأشار إلى أن البيانات الواردة في التقرير مستمدة من المنظومة الإلكترونية للبوابة المالية وليست تقديرية، وهو ما يمنحها مصداقية عالية، معتبرًا أن المراقبة الإلكترونية تمثل نقلة نوعية في ضبط الإنفاق العام مقارنة بالفترات السابقة.
وشدد الكاديكي على أن معالجة هذه التجاوزات تتطلب توحيد السلطة التنفيذية، واعتماد ميزانية واضحة، وتفعيل أدوات الرقابة والمتابعة لضمان توجيه الإنفاق العام وفق أولويات الدولة وحماية المال العام.
كما أوضح أن جذور التجاوزات المالية لا تعود إلى السنوات الأخيرة فقط، بل بدأت منذ عام 2012، لافتًا إلى أن عددًا كبيرًا من القضايا المعروضة أمام النائب العام يعود لتلك الفترة، وتشمل إساءة استخدام الودائع، وتحويل الأموال بين البنود دون مبررات قانونية، إضافة إلى مخالفات ما عُرف بالرحلات الرسمية.
ولفت إلى أن الفساد المؤسسي تفاقم لاحقًا بسبب الانقسام السياسي وتوسع عدد الوزارات وهياكلها الإدارية، ما أدى إلى تضخيم الميزانيات بشكل غير مبرر، وزيادة الإنفاق على الإيجارات وشراء السيارات، ورفع المرتبات وبدلات الإعاشة والسفر.
أضاف أن الميزانية العامة شهدت قفزات هائلة، إذ ارتفعت من نحو 22 مليار دينار في عام 2008 إلى أرقام تتراوح حاليًا بين 100 و210 مليارات دينار، مشيرًا إلى أن جزءًا من هذا التضخم يعود لتغير القيمة الزمنية للنقود.
وأكد الكاديكي أن النظام المالي الليبي، من حيث القوانين والتنظيم، يُعد جيدًا، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف التدقيق الجاد وعدم تفعيل أدوات الرقابة الداخلية والخارجية بالشكل المطلوب.
كما حذر من اضطراب المركز المالي للدولة نتيجة غياب أقفال الحسابات النهائية للقطاعات الحكومية، ما يمنع معرفة حجم العجز أو الفائض بدقة، ويضعف القدرة على اتخاذ قرارات مالية سليمة.
وتطرق إلى ملف الأصول والاستثمارات، موضحًا أن بعض ممتلكات الدولة، خاصة في الخارج، تفتقر إلى الشفافية، مشيرًا إلى وجود 82 فندقًا مملوكة للدولة الليبية حول العالم لا تُحوَّل عائداتها بشكل واضح إلى الخزينة العامة.
ودعا إلى ضرورة وضع ميزانية تقديرية دقيقة، وإقفال الحسابات النهائية، وتعزيز الشفافية في متابعة الاستثمارات الخارجية لضمان استفادة الدولة من عوائدها.
واختتم الكاديكي حديثه بالتأكيد على أن محاسبة المتورطين في قضايا الفساد الكبرى ستتم، وأن الملفات القديمة لن تُنسى، مشددًا على أن التحقيقات والمحاكمات ستستمر لضمان تطبيق العدالة ومحاسبة المخالفين، حتى في القضايا التي تعود لعقود مضت.


