قال المحلل السياسي إلياس الباروني، إن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، تهدف أساسًا إلى مساعدة البلاد على إدارة المرحلة الانتقالية، ودعم العملية السياسية بما يمهّد للوصول إلى الاستقرار وإجراء الانتخابات.

وأضاف الباروني، في تصريحات نقلتها “سبوتنيك”، أن البعثة لعبت، منذ انخراطها في الملف الليبي، عدة أدوار رئيسية، أبرزها الوساطة السياسية بين الأطراف الليبية المتنازعة، وقيادة سلسلة من الحوارات التي أفضت إلى عدد من الاتفاقات.

وأوضح أن دور البعثة شمل كذلك دعم المسار الأمني والعسكري، إذ رعت اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 23 أكتوبر 2020، عبر اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، وهو الاتفاق الذي ساهم في تخفيف حدة المواجهات العسكرية بين شرق البلاد وغربها، وفتح المجال أمام تحريك المسار السياسي.

وأشار إلى أن جهود البعثة امتدت أيضًا إلى دعم مساعي توحيد المؤسسات الليبية، والمساهمة في ملفات الإصلاح الاقتصادي، ومتابعة أوضاع حقوق الإنسان، إلى جانب تنسيق المساعدات الدولية المقدمة إلى ليبيا.

ورأى الباروني أن حصيلة أداء البعثة يمكن وصفها بالنجاح الجزئي، إذ تمكنت من منع انهيار الدولة بشكل كامل، ووفرت منصات للحوار بين الأطراف المتنازعة، لكنها لم تنجح حتى الآن في إنهاء المرحلة الانتقالية أو إيصال البلاد إلى انتخابات وطنية مستقرة.

وأوضح أن محدودية نجاح المبادرات الأممية تعود إلى عدة عوامل بنيوية، من أبرزها تضارب مصالح النخب السياسية، إذ أن بعض القوى المستفيدة من استمرار الوضع الانتقالي تخشى خسارة مواقعها في حال إجراء انتخابات، ما يدفعها إلى التعامل مع المبادرات الدولية بمنطق المناورة السياسية، كما تمثل ازدواجية الشرعية والمؤسسات أحد التحديات الرئيسية، في ظل وجود حكومات وبرلمانات متنافسة منذ عام 2014.

ولفت إلى أن انتشار التشكيلات المسلحة وغياب الاحتكار الشرعي للسلاح يجعل القرار السياسي في كثير من الأحيان مرهونًا بالواقع العسكري على الأرض، الأمر الذي يحد من قدرة أي تسوية سياسية على الصمود، كما أسهم فشل إجراء الانتخابات التي كانت مقررة في ديسمبر 2021.

وقال المحلل السياسي إن الأزمة الليبية لم تعد محصورة في إطارها الداخلي، بل أصبحت ذات أبعاد إقليمية ودولية، نتيجة تعدد التدخلات الخارجية وتنافس القوى الدولية والإقليمية على النفوذ في البلاد، سواء في ما يتعلق بملف الطاقة أو النفوذ في منطقة البحر المتوسط.

وأضاف الباروني أن ما وصفه بـ”اقتصاد الصراع”، القائم على التنافس للسيطرة على الموارد النفطية والمؤسسات المالية، يساهم في تعميق الانقسامات السياسية، بينما تظل أدوات الأمم المتحدة التنفيذية محدودة، باعتبار أن بعثتها في ليبيا، بعثة سياسية وليست قوة حفظ سلام عسكرية.

وأكد أن نجاح أي مسار أممي مستقبلي يتطلب توحيد الموقف الدولي، وممارسة ضغط حقيقي لدفع الأطراف الليبية نحو إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تعيد الشرعية للمؤسسات، مشددا على أهمية إصلاح وتوحيد المؤسسات السيادية، خاصة المالية والأمنية، إلى جانب توسيع المشاركة في العملية السياسية لتشمل البلديات والقبائل ومنظمات المجتمع المدني.

وأشار إلى أن جوهر الأزمة الليبية لا يكمن في غياب المبادرات الدولية، بل في تعارض المصالح الداخلية والخارجية حول السلطة والثروة، مشددًا أن نجاح أي مبادرة أممية مستقبلية سيظل مرهونًا بوجود إرادة دولية موحدة، وإرادة ليبية حقيقية لإنهاء المرحلة الانتقالية عبر انتخابات تعيد بناء مؤسسات الدولة.

Shares: