وصف الدبلوماسي الأمريكي السابق ريتشارد هاس، الحرب الأمريكية على إيران بأنها حرب اختيارية، معتبرا أن المسار الحالي يتشابه مع ما حدث في ليبيا حين تم الإطاحة بالقيادة عبر تدخل عسكري جوي غربي ثم تركت البلاد إلى الفوضى.

وبين هاس في تقرير نشره عبر منصة “سابستاك” الأمريكية، عددا من الملاحظات حول الضربات الأمريكية التي استهدفت أهدافا عسكرية وسياسية في مختلف أنحاء إيران.

وقال الدبلوماسي الأمريكي السابق إن هذه الحرب اختيارية، فقد كان لدى الولايات المتحدة خيارات سياسية أخرى متاحة، حيث بدت الدبلوماسية واعدة في منع إيران من تطوير أسلحة نووية، كما أن زيادة الضغط الاقتصادي كان يمكن أن تؤدي مع مرور الوقت إلى تغيير النظام.

وأضاف أن هذه حرب وقائية وليست استباقية، فلم تكن إيران تمثل تهديدا وشيكا للمصالح الحيوية للولايات المتحدة، كما أنها لم تكن على وشك أن تصبح دولة نووية أو أن تستخدم ما لديها من أسلحة ضد الولايات المتحدة، مشيرا إلى أنه في أقصى تقدير كان التهديد متناميا ويمكن احتواؤه.

وأشار إلى هذا التمييز مهم لأن عالما تعتقد فيه الدول أن من حقها شن ضربات وقائية ضد من تعتبرهم تهديدا سيكون عالما مليئا بالنزاعات المتكررة، ولهذا لا تتمتع مثل هذه الأعمال بشرعية في القانون الدولي.

وأوضح المحلل السياسي الأمريكي أن إدارة ترامب اختارت هدفا يتمثل في تغيير النظام، وهو هدف سياسي لا عسكري، فالقوة العسكرية يمكنها التدمير والقتل، لكنها وحدها لا تستطيع إحداث تغيير في النظام.

وأشار إلى أن ما يتطلبه تغيير النظام هو وجود بديل قابل للحياة وتوافر الظروف اللازمة، ونوه بأنه من الممكن أن يؤدي الهجوم إلى انشقاقات داخل القيادة السياسية والقوات المسلحة الإيرانية، لكن لا يمكن التعويل على ذلك.

كما لفت إلى أن إسقاط النظام لا يعني بالضرورة تغييره، وبالتأكيد لا يعني تغييرا ناجحا، فحتى لو سقط نظام الحكم الديني، فإن الأجهزة الأمنية هي الأكثر قدرة على تولي السلطة، وليس بديلا ديمقراطيا.

واستبعد هاس أن يكون استخدام القوة العسكرية لقتل قادة محددين كوسيلة لإحداث تغيير في النظام والذي يعرف غالبا بأسلوب “قطع الرأس”، حاسما في إيران، إذ أن القيادة رسخت نفسها مؤسسيا منذ ما يقرب من 50 عاما، كما أتيحت لها فرصة خلال الأسابيع الماضية لتحسين ترتيبات الخلافة مع تصاعد احتمالات الحرب.

وقال ريتشارد هاس إن إدارة ترامب دعت إلى تغيير النظام دون تهيئة الظروف اللازمة لنجاح بديل محتمل، متابعا أن المعارضة السياسية ليست موحدة ولا تعمل كحكومة بديلة جاهزة، وهي ليست في وضع يسمح لها باستيعاب الانشقاقات، فضلا عن توفير الأمن.

وأضاف أن التاريخ يشير إلى أن تغيير النظام يتطلب عادة وجودا ميدانيا على الأرض، وهذا هو درس ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك بنما والعراق وأفغانستان مؤخرا.

وأوضح أنه حتى مع وجود قوات على الأرض، غالبا ما تأتي مثل هذه الجهود بنتائج محدودة وتكلفة باهظة، وهو ما حدث في العراق وأفغانستان. أما احتلال إيران فهو أمر غير متصور نظرا لاتساع البلاد وقدرتها على المقاومة.

ورأي الدبلوماسي الأمريكي السابق أنه إذا كان هناك وجه شبه حديث بما يجري في إيران، فهو ليبيا ، حيث أطاحت القوات الغربية بالقيادة قبل أكثر من عقد باستخدام القوة الجوية، لكنها لم تستكمل المهمة مما ترك البلاد في حالة فوضى.

وأشار هاس إلى أنه الممكن أن يكون حشد وجود عسكري ضخم في المنطقة، ما وصفه الرئيس ترامب بالأسطول، بعد فشل التهديدات اللفظية في إقناع الحكومة الإيرانية بالتراجع، قد وضع ضغطا على الإدارة الأمريكية للتحرك، إذ لا يمكن إبقاء القوات في حالة تأهب قصوى إلى أجل غير مسمى.

ولفت إلى أن الولايات المتحدة اختارت مرة أخرى تقديم التزام استراتيجي ضخم في الشرق الأوسط، وهذا يتعارض مع استراتيجية الأمن القومي للإدارة نفسها، ومع حقيقة أن أكبر التحديات للمصالح الأمريكية تكمن في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهنا يبرز التشابه مع حرب العراق عام 2003، وهي حرب وقائية اختيارية أخرى في المنطقة كلفت الولايات المتحدة كثيرا.

وأوضح هاس أن الشعب الأمريكي غير مهيأ لهذه الحرب، وكذلك القاعدة السياسية لترامب، قائلا إن الحرب خاصة إذا طالت، ستربك الأسواق وترفع أسعار الطاقة وربما تؤدي إلى هجمات على منشآت أمريكية وأمريكيين حول العالم.

ورجح الدبلوماسي الأمريكي السابق أن يكون القصف منخفض التكلفة العام الماضي لثلاثة مواقع نووية إيرانية، والتدخل الأحدث في فنزويلا في يناير الماضي، قد جعلا ترامب والدائرة المحيطة به واثقين للغاية من قدرتهم على تحقيق أهداف طموحة بوسائل محدودة وبتكلفة منخفضة، لكن التاريخ يحذر من أن الدعوة إلى تغيير النظام أسهل بكثير من تنفيذ التغيير بنجاح، فبينما يكفي طرف واحد لبدء حرب، فإن إنهاءها يتطلب قبول الطرفين، مشيرا إلى أن إيران الآن صاحبة رأي في مدى اتساع واستمرار هذا الصراع.

Shares: