قال المحلل السياسي، إلياس الباروني، إن الدوافع السياسية وراء دعوة رئيس حكومة البرلمان، أسامة حماد، لعبد الحميد الدبيبة، إلى تسليم السلطة في هذا التوقيت يمكن تفسيرها ضمن 4 مستويات متداخلة، أبرزها إعادة إنتاج معركة الشرعية، وليس مجرد موقف سياسي عابر.

وأوضح الباروني في تصريحات نقلتها “سبوتنيك”، أن هذه الدعوة ليست جديدة من حيث الجوهر، لكنها تأتي في سياق توقيت يشهد إعادة تموضع سياسي واضح.

وأضاف أن الدافع الأساسي يتمثل في محاولة تحويل مفهوم الشرعية من شرعية الاعتراف الدولي إلى شرعية التكليف البرلماني، أي نقل مركز الثقل من الخارج إلى الداخل، أو على الأقل خلق حالة توازن جديدة بينهما، وبعبارة أخرى، فإن هذه الدعوة لا تمثل مطالبة فعلية بتسليم السلطة، بقدر ما تمثل إعلانا سياسيا يهدف إلى إعادة تعريف الجهة التي يمكن اعتبارها الحكومة الشرعية في البلاد.

وأشار إلى أن هذه الخطوة تأتي في إطار استباق أي مسار أممي محتمل لتشكيل حكومة موحدة جديدة، في ظل جهود تقودها الأمم المتحدة نحو وضع خارطة طريق تفضي إلى إجراء انتخابات وتشكيل سلطة تنفيذية انتقالية موحدة.

ولفت إلى أن نجاح هذا المسار قد يؤدي إلى تجاوز الحكومتين القائمتين وتشكيل سلطة جديدة، وهو ما يجعل دعوة حماد تحمل هدفا استراتيجيا يتمثل في منع تهميش حكومة الشرق ومحاولة فرض نفسها كبديل محتمل للدبيبة في أي تسوية سياسية قادمة، بما يضمن لها موقعا أساسيا على طاولة التفاوض”.

وقال الباروني إن الصراع في جوهره يرتبط أيضا بالموارد والسيطرة الاقتصادية، إذ إن السيطرة على السلطة التنفيذية تعني التحكم في الميزانية العامة والإنفاق الحكومي والعقود النفطية والتنموية.

وأكد أن النفط الليبي يمثل محورا رئيسيا للصراع، إذ تتركز معظم الإيرادات تحت إدارة المؤسسات الموجودة في العاصمة طرابلس، رغم أن غالبية الحقول النفطية تقع في مناطق الشرق والجنوب.

وأشار إلى أن هذه الدعوة تمثل كذلك محاولة لاستثمار حالة التآكل السياسي التي تواجهها حكومة الدبيبة، في ظل تصاعد الانتقادات الداخلية وتزايد الضغوط الدولية للبحث عن بديل توافقي، موضحا أن القاعدة السياسية تشير إلى أنه كلما تراجعت شرعية طرف ما، ازدادت جرأة منافسيه على تحديه بشكل علني.

وحول التأثيرات المحتملة لهذه الدعوة على المشهد السياسي، أوضح، إلياس الباروني، أن التأثير الأول يتمثل في تعميق حالة الاستقطاب السياسي بدلا من إنهائها، إذ من غير المتوقع أن تؤدي هذه الدعوة إلى تسليم السلطة، خاصة أن الدبيبة أعلن سابقا أنه لن يسلم السلطة إلا لحكومة منتخبة، وبالتالي، فإن النتيجة الفعلية قد تتمثل في تثبيت واقع الحكومتين، وزيادة حدة الانقسام السياسي، وتعقيد أي مسار تفاوضي مستقبلي.

وأضاف أن التأثير الثاني يتمثل في تعزيز موقع حكومة الشرق في أي مفاوضات سياسية قادمة، موضحا أن هذه الدعوة لا تستهدف الدبيبة فقط، بل تحمل رسالة موجهة أيضا إلى المجتمع الدولي، مفادها أن حكومة الشرق تمثل طرفا سياسيا جاهزا لتولي الحكم، بما يسهم في تحسين موقعها التفاوضي ومنع تجاوزها في أي ترتيبات انتقالية.

أما التأثير الثالث، فيتمثل، من وجهة نظر الباروني، في تحويل طبيعة الصراع من صراع على الشرعية إلى صراع على التوقيت، إذ يدرك الطرفان أن الانتخابات تمثل الحل النهائي للأزمة، لكن التنافس الفعلي يتمحور حول من سيبقى في السلطة حتى موعد الانتخابات، ومن سيتولى الإشراف عليها، وهو ما يمثل جوهر الصراع السياسي في المرحلة الحالية.

وأوضح الباروني أن الانتخابات تظل ممكنة من الناحية النظرية، لكنها غير واقعية عمليا في المدى القصير، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية، أولها غياب حكومة موحدة قادرة على الإشراف على العملية الانتخابية، إذ تؤكد الأمم المتحدة أن توحيد المؤسسات يمثل شرطا أساسيا لضمان نزاهة الانتخابات، والاعتراف بنتائجها من قبل جميع الأطراف.

أما السبب الثاني، بحسب الباروني، فيتمثل في استمرار الانقسام العسكري والأمني، حيث تتوزع مناطق النفوذ بين حكومة الدبيبة في الغرب، وحكومة حماد والقوات التابعة لحفتر في الشرق والجنوب، وهو ما يجعل أي عملية انتخابية عرضة للنزاع والطعن في نتائجها.

في حين يتمثل السبب الثالث في غياب التوافق على القاعدة الدستورية، وهو العامل ذاته الذي أدى إلى تعثر انتخابات عام 2021، نتيجة الخلافات حول شروط الترشح وصلاحيات الرئيس وطبيعة النظام السياسي، وهي قضايا لا تزال دون حل حتى الآن.

وأكد المحلل السياسي على أن دعوة أسامة حماد لا تمثل محاولة واقعية لإجبار الدبيبة على تسليم السلطة بشكل فوري، بل تندرج ضمن إطار صراع سياسي أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوة قبل الوصول إلى تسوية نهائية.

وأوضح أن الهدف الفعلي يتمثل في منع تهميش حكومة الشرق، وتحسين موقعها في أي تسوية سياسية قادمة، وإعادة تعريف مفهوم الشرعية، وفرض نفسها كبديل محتمل، مشددا على أن الانتخابات تظل الحل الوحيد للأزمة، لكنها لن تكون ممكنة إلا بعد التوصل إلى اتفاق سياسي يُفضي إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة.

يذكر أن رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان، أسامة حماد، وجه كلمة دعا فيها، عبدالحميد الدبيبة، إلى تسليم السلطة والذهاب نحو انتخابات عامة، باعتبارها خطوة ضرورية لإنهاء المرحلة الانتقالية.

وتأتي هذه الدعوة في سياق جدل متواصل في ليبيا حول شرعية الحكومات القائمة، ومسارات الحل السياسي، وسط مطالب محلية ودولية بضرورة التوصل إلى توافق يفضي إلى إجراء انتخابات تُنهي حالة الانقسام، وتعيد توحيد مؤسسات الدولة.

Shares: