أكد تقرير لصحيفة “العرب اللندنية” أن اعترافات رسمية صدرت عن مسؤولين في حكومة الدبيبة تعكس عمق الأزمة الأمنية والاقتصادية التي تعيشها ليبيا، وتؤكد أن حالة الفوضى لم تعد استثناءً بل واقعًا مستمرًا منذ سنوات.
وأشار التقرير إلى أن وزير الداخلية في الحكومة الدبيبة عماد الطرابلسي أقرّ بخروج مدن الساحل الغربي عن السيطرة، وغرقها في فوضى أمنية تفرضها التشكيلات المسلحة.
وأضاف التقرير أن الطرابلسي تحدث عن تقارير ترد إلى وزارته من مديريات الأمن، تشكو من عجزها عن التعامل مع المصفحات المسلحة التي تعيق التحقيق في قضايا القتل والهجرة غير الشرعية والتهريب وتجارة المخدرات، في ظل سيطرة الميليشيات على المنطقة، ودعم بعض الأعيان لها ورفضهم دمج المديريات الأمنية ورفع كفاءتها.
ولفت التقرير إلى أن هذه الاعترافات ليست جديدة، إذ سبق للطرابلسي أن أعلن في يوليو 2024 خروج مدينة الزاوية عن سيطرة الدولة، مؤكدًا حينها أن وزارته مستعدة لتنفيذ خطة أمنية إذا اتفقت المجموعات المسلحة على وقف الاشتباكات، ومشدّدًا على أن الحكومة لا تملك أي سيطرة فعلية على الأوضاع في ثالثة مدن غرب البلاد.
واعتبرت الصحيفة أن هذا الواقع ممتد منذ نكبة 2011، حين وفر التحالف الدولي الغطاء الجوي والسلاح والدعم السياسي والإعلامي للمتمردين الساعين لإسقاط نظام القائد الشهيد العقيد معمر القذافي، دون حساب لما ستؤول إليه البلاد لاحقًا.
وشدد التقرير على أنه بعد خمسة عشر عامًا من إسقاط النظام الجماهيري، لا تزال ليبيا تواجه مصيرًا غامضًا، وسط تساؤلات متزايدة حول مستقبلها، وما إذا كان الليبيون سيتمكنون من الخروج من دائرة الأزمة خلال السنوات المقبلة.
وأكدت الصحيفة أن الأمم المتحدة فشلت في حلحلة الأزمة، بسبب التدخلات الخارجية التي تصب في مصلحة قوى داخلية أحكمت قبضتها على السلطة وفق حسابات شخصية وعائلية وقبلية وجهوية، تحكمها عقلية الغنيمة وسلاح الاغتيال والتصفية.
وفي الجانب الاقتصادي، أوضح التقرير أن سعر صرف الدولار الأميركي في السوق الموازية سجل قبيل شهر رمضان ارتفاعًا غير مسبوق، ليبلغ 10 دنانير نقدًا و11 دينارًا عبر الصكوك، في ظل اتساع الفجوة مع السعر الرسمي وزيادة الطلب على النقد الأجنبي. واعتبرت الصحيفة أن هذا الانهيار في قيمة الدينار يكشف حجم التردي المالي في بلد يعاني منذ 2011 من أكبر عملية نهب ممنهج لثرواته.
وتطرق التقرير إلى دعوة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى وزارة الداخلية لاتخاذ إجراءات صارمة ضد السوق الموازية للعملات، وتشديد الرقابة على حركة الأموال وملاحقة المتعاملين خارج الإطار الرسمي، محذرًا من المضاربة وتحويل الأموال دون رقابة وتمويل الأنشطة غير المشروعة.
واعتبرت الصحيفة أن هذه الدعوات تمثل حلقة جديدة في سلسلة مواقف تكشف فشل المنظومة المصرفية وانهيار أجهزة الرقابة، مع تورط سلطات سياسية وعسكرية وأمنية في العبث بمقدرات الدولة وتهريب الأموال إلى الخارج.
وأكد التقرير أن ما لا يقل عن 500 مليار دولار نُهبت منذ دخول ليبيا مرحلة الفوضى، مشيرًا إلى أن الأموال المجمدة والاستثمارات المنهوبة يجري تبرير السطو عليها تحت مسمى «أموال القذافي»، رغم أن الزعيم الراحل لم يكن يملك حسابات مصرفية في الخارج.
وسلط التقرير الضوء على تصنيف ليبيا ضمن أسوأ خمس دول في العالم من حيث الفساد، باحتلالها المرتبة 177 من أصل 182 دولة، وفق تقرير منظمة الشفافية الدولية، وحصولها على 13 نقطة فقط من أصل 100، ما يعكس عجز المؤسسات عن فرض الرقابة والمساءلة، واستمرار استشراء الفساد وغياب الاستقرار والانتخابات.
وأضافت الصحيفة أن الفساد يضرب كل مفاصل الدولة، وأن العملية السياسية الحالية ليست سوى انعكاس لتوافقات تقوم على الشراكة في نهب الثروات، سواء عبر تهريب الموارد أو الاستيلاء على إيرادات النفط والغاز، بينما يدفع المواطن الثمن تضخمًا وغلاءً وفقرًا وانهيارًا للخدمات والبنية التحتية.
وكشف التقرير عن وثائق لوزارة العدل الأميركية تتعلق بالملياردير جيفري إبستين، تفيد بأنه ناقش مع مقربين منه خططًا بالتعاون مع عناصر سابقة في الاستخبارات البريطانية (MI6) والموساد الإسرائيلي لابتزاز مسؤولين ليبيين والاستيلاء على أصول الدولة بذريعة إعادة الإعمار، مستغلين حالة عدم الاستقرار ووجود عشرات المليارات من الأموال الليبية المجمدة دوليًا.
وربطت الصحيفة هذا المشهد بمرور 15 عامًا على أحداث فبراير، وخمس سنوات على تولي المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، وعضوية موسى الكوني وعبد الله اللافي، وحكومة الوحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، معتبرة أن هذه السلطات تنكرت للاتفاق السياسي الذي أُنشئت بموجبه، وفشلت في تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الموعودة منذ 2021.
وخلص التقرير إلى أن اعتراف وزير داخلية حكومة الدبيبة بخروج مدن الساحل الغربي عن السيطرة لم يكن سوى توصيف لواقع يقرّ به جميع الليبيين، واقع ينذر بالمزيد من الفوضى في بلد تحكمه عصابات مسلحة وشبكات خفية، تدير نهب الثروات بشراكة المتصارعين في الداخل، وتحت إشراف رعاة إقليميين ودوليين.


