كشفت وثائق مسرّبة ومراسلات سرّية تعود إلى يوليو 2011 عن ملامح مؤامرة دولية جرى الإعداد لها بعناية، استهدفت نهب ثروات ليبيا وإسقاطها ماليًا، بالتوازي مع الحرب التي انتهت باغتيال الدولة الليبية ممثلة في القائد الشهيد معمر القذافي.
وتُظهر الوثائق أن ما جرى في تلك الفترة لم يكن مجرد تدخل عسكري أو صراع سياسي، بل كان مشروعًا متكامل الأركان للسيطرة على أموال الدولة الليبية، تحت غطاء “المساعدة في إعادة الإعمار”، مستغلًا الفوضى والحرب والغطاء الدولي.
وتكشف المراسلات عن دور رجل الأعمال والملياردير الأمريكي جيفري إبستين، المعروف بقربه من جهاز الموساد الإسرائيلي، إلى جانب شريكه غريغ براون، في مناقشة مخطط ممنهج للهيمنة على الأصول الليبية في ذروة الهجوم على البلاد.
وأكدت الرسائل أن ما لا يقل عن 80 مليار دولار من الأموال الليبية كانت مجمّدة دوليًا في ذلك الوقت، بينها 32.4 مليار دولار مودعة في الولايات المتحدة وحدها، وهو ما وصفه المتآمرون صراحة بأنه “الكنز الحقيقي” للحرب على ليبيا.
ولم تُعامل ليبيا في تلك المراسلات كدولة ذات سيادة، بل كغنيمة مفتوحة، حيث ورد نصًا أن “الرقم الحقيقي للأموال الليبية أكبر بكثير”، في دلالة واضحة على شهية مفتوحة للنهب.
وتعكس الوثائق تفكيرًا استعماريًا فجًا، إذ جرى توصيف ليبيا بأنها دولة غنية جدًا، قليلة السكان، وتمتلك أكبر احتياطات نفطية في أفريقيا، ما يجعل السيطرة على أموالها “سهلة وسريعة العائد”، وفق ما جاء في المراسلات.
ولم يتوقف الأمر عند توصيف الثروة، بل تجاوز ذلك إلى اقتراح الحصول على نسبة تتراوح بين 10% و25% من الأموال الليبية المجمدة كـ”أتعاب”، أي ما يعادل ما بين 8 و20 مليار دولار تُنهب مباشرة تحت مسميات الاستشارات القانونية وإعادة الإعمار.
الأخطر في هذه الوثائق هو كشفها عن خطة لإغراق ليبيا بسيل من المطالبات القانونية فور سقوط الدولة، بما يضمن تشتيت أي سلطة وطنية مستقبلية، ومنعها من استعادة أموالها أو فرض سيادتها على مقدرات البلاد.
وتؤكد الرسائل أن إسقاط النظام لم يكن هدفًا بحد ذاته، بل كان المطلوب تدمير المؤسسات، وإضعاف الدولة، ومنع قيام سلطة مركزية قادرة على المطالبة بالحقوق المالية الليبية.
كما تشير المراسلات إلى التواصل مع مكاتب محاماة أمريكية وبريطانية كبرى تضم أكثر من 1200 محامٍ، للعمل بنظام “النجاح مقابل النسبة”، في صيغة أقرب إلى تقاسم الغنائم منها إلى أي مسار قانوني مشروع.
وتكشف الفضيحة كذلك عن تورط عناصر سابقة من جهازي الاستخبارات البريطاني MI6 والإسرائيلي الموساد، بزعم قدرتهم على تحديد أماكن الأموال الليبية، وتسهيل التحكم في مسارها بعد رفع التجميد.
وتفضح الوثائق زيف الخطاب الإنساني الذي رافق التدخل في ليبيا، حيث ورد تحذير داخلي صريح يقول: “الليبيون الآن ضعفاء، لكن يجب الحذر، ستكون هناك مطالبات كثيرة على المال”، في اعتراف واضح بأن الحديث عن “مساعدة الليبيين” لم يكن سوى كذبة تسويقية لتبرير النهب.
وتؤكد التعليقات المصاحبة للتسريبات أن ما جرى في ليبيا لم يكن “ثورة بريئة”، بل عملية منظمة لتفكيك الدولة والسيطرة على ثرواتها، مستغلة الفوضى والغطاء الدولي والإنساني.
وهو ما ينسف الرواية الغربية التي رُوّجت لسنوات حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويعيد توصيف الحرب على ليبيا باعتبارها حربًا على المال والسيادة قبل أي شيء آخر.
وتخلص الوثائق إلى أن ليبيا لم تُسقط عسكريًا فقط، بل جرى اغتيالها ماليًا وقانونيًا، عبر شبكة دولية معقدة تضم رجال مال، مكاتب محاماة، وأجهزة استخبارات.
كما تؤكد أن القائد الشهيد معمر القذافي كان الهدف السياسي، فيما كان المال الليبي هو الهدف الحقيقي، وأن ما أعقب عام 2011 لم يكن فوضى عشوائية، بل نتيجة مباشرة لمخطط أُعدّ سلفًا.
وتضع هذه التسريبات المسؤولية الأخلاقية والسياسية كاملة على عاتق الدول والجهات التي دعمت التدخل في ليبيا عام 2011، وتعيد طرح السؤال الجوهري الذي لا يزال بلا إجابة: من المستفيد الحقيقي من سقوط الدولة الليبية؟


