قال المدير العام السابق لمؤسسة التعدين، المهندس خليفة عبد الله، إن الحديث عن قطاع المعادن في ليبيا يستوجب العودة إلى خلفيته التاريخية، والواقع الفني الذي تأسس عليه، بعيدًا عن الأرقام المتداولة غير الدقيقة.

وأوضح عبد الله في تصريحات نقلتها “سبوتنيك”، أن ليبيا شهدت منذ سبعينيات القرن الماضي جهودًا علمية متقدمة في مجال الدراسات الجيولوجية، عقب إنشاء مركز البحوث الصناعية بموجب قانون خاص، وأُنجزت دراسات شاملة للخريطة المعدنية شملت إعداد خرائط جيولوجية وأخرى أكثر تفصيلًا، وهو ما اعتُبر إنجازًا علميًا كبيرًا في تلك الفترة.

وأضاف أن صدور قانون المناجم والمحاجر رقم 2 لسنة 1971، شكّل إطارًا تشريعيًا متقدمًا لتنظيم استثمار الموارد المعدنية، مشيرًا إلى أنه لا يزال من أفضل القوانين، التي صدرت في هذا المجال من حيث الأسس الفنية والتنظيمية.

وأكد خليفة عبد الله أن ليبيا بحكم مساحتها الجغرافية الشاسعة، تعد من الدول الغنية بالثروات المعدنية، إذ تتركز أبرز المعادن في مناطق الجنوب خاصة العوينات وجبال تيبستي، ففي منطقة العوينات، أُجريت دراسات مشتركة على مدى 10 سنوات أسفرت عن اكتشاف معادن هامة من بينها الذهب، إضافة إلى خامات الحديد الرسوبي بنسبة تركيز تقارب 63%، إلى جانب معادن أخرى مثل الرصاص والتلك.

وأشار إلى أن البلاد تمتلك كذلك احتياطيات ضخمة من خام الحديد في منطقة وادي الشاطئ عين تاروت، تقدّر بنحو 4 مليارات طن كاحتياطي مؤكد، فضلًا عن كميات إضافية محتملة في مناطق مجاورة قد تتجاوز 3 مليارات طن.

ومن بين الخامات النوعية، لفت عبد الله إلى وجود السيليكا عالية النقاوة في منطقة إذري شمال العوينات، إذ تصل نسبة أكسيد السيليكون إلى نحو 99.9%، وهي خامات تدخل في صناعات استراتيجية متقدمة، مثل أشباه الموصلات والصناعات البلورية.

وأكد أن ليبيا تضم خامات متنوعة من الطينات الصناعية في وادي الشاطئ تستخدم في العزل الحراري وصناعة الأسمنت، مشيرًا إلى أن خامات الإسمنت متوفرة بكميات كبيرة على امتداد الساحل الليبي، لا سيما في مناطق جنوب الخمس ومصراتة وزليتن، بما يسمح برفع الطاقة الإنتاجية من نحو 7 ملايين طن سنويا إلى ما يقارب 25 مليون طن.

وبيّن أن الدولة أطلقت في عام 2008 جولة عطاءات عامة لاستغلال خامات الإسمنت وفق اتفاقيات مشابهة لنظام اقتسام الإنتاج المعمول به في قطاع النفط EPSA، وأسفرت عن توقيع 19 اتفاقية، إلا أن التطورات السياسية اللاحقة حالت دون تنفيذها.

وحول الحديث عن تصدير المعادن، شدد خليفة عبد الله، على أنه لا يمكن في الوقت الراهن اعتبار ليبيا دولة مصدّرة للخامات المعدنية، باستثناء بعض المخلفات المعدنية، معتبرًا أن الحديث عن تحقيق إيرادات سنوية تصل إلى 15 مليار دولار من قطاع التعدين يعد مبالغًا فيه، خاصة في ظل استمرار استيراد الإسمنت رغم توفر خاماته محليًا.

وأكد أن تحويل قطاع التعدين إلى رافد حقيقي للاقتصاد الليبي يتطلب الشروع الجاد في بناء بنية تحتية متكاملة، تشمل الطرق والطاقة ومرافق الاستخلاص والتركيز، بما يسهم في توفير العملة الأجنبية ودعم الخزانة العامة، على أن تكون إيرادات التعدين مكملة لإيرادات النفط لا بديلة عنها.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أوضح عبد الله أن قطاع التعدين يمتلك قدرة كبيرة على خلق فرص عمل، إذ يمكن لمصنع إسمنت واحد توفير نحو 500 فرصة عمل مباشرة، إضافة إلى آلاف الوظائف غير المباشرة، لافتًا إلى أن عدد الكسارات العاملة في ليبيا يتجاوز الألف كسارة يعمل في كل واحدة منها ما لا يقل عن 20 عاملا بشكل مباشر.

وبشأن المخاوف من تكرار أخطاء إدارة عائدات النفط، أكد عبد الله أن الحل يكمن في تعزيز مبادئ الحوكمة الرشيدة والشفافية وتأهيل الكوادر الفنية، وفرض آليات رقابة ومساءلة صارمة، معتبرًا أن الفساد وضعف الإدارة يمثلان الخطر الحقيقي على أي قطاع اقتصادي.

وحذّر المدير العام السابق لمؤسسة التعدين من مخاطر تهريب المعادن والاقتصاد الموازي، مشيرًا إلى أن حماية الموارد مسؤولية سيادية تتطلب تشديد الرقابة على الحدود لما يشكله التهريب من استنزاف مباشر للاقتصاد.

كما أوضح أن سوق المعادن عالمية ومفتوحة وتحدد أسعاره وفق مواصفات ومعايير دولية، مؤكدًا أن إنتاج خامات بمواصفات عالمية كفيل بضمان تسويقها، شريطة الاستعانة بالخبرات الأجنبية في المراحل الأولى ضمن أطر قانونية واضحة وبيئة أمنية مستقرة.

وأكد خليفة عبد الله على أن مستقبل التعدين في ليبيا واعد إذا ما جرى الإسراع في تسجيل مواقع الخامات باسم الدولة الليبية، وبناء البنية التحتية اللازمة، واستثمار الاحتياطيات الضخمة، ومنها احتياطي الجبس، الذي يقدّر بنحو 7 مليارات طن، رغم غياب مصانع الألواح الجبسية والجبس المطحون حتى الآن، مقارنة بدول عربية أخرى قطعت شوطا كبيرا في هذا المجال.

Shares: