أكد الخبير النفطي عثمان الحضيري، أن ملف زيادة وتعويض الاحتياطي النفطي في ليبيا يعد من أبرز التحديات الاستراتيجية، التي تواجه الدولة، مشددًا على أن بناء مستقبل اقتصادي آمن يستوجب معالجة جادة للأسس والمختنقات التي تعيق تطوير هذا القطاع الحيوي.
وقال الحضيري في تصريحات نقلتها “سبوتنيك”، إن الاحتياطي النفطي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، إذ تعتمد الموازنة العامة بشكل رئيسي على العائدات النفطية، مشيرًا إلى أن أي تراجع في الاحتياطي أو ضعف في سياسات التعويض والاستكشاف ينعكس مباشرة على الاستقرار المالي وقدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها.
واعتبر الخبير النفطي أن الاستثمار المباشر في عمليات الاستكشاف وتطوير الحقول لم يعد خيارا بل ضرورة وطنية ملحّة، حيث تشير التقديرات الجيولوجية إلى امتلاك ليبيا إمكانات نفطية وغازية كبيرة، خاصة في حوض مرزق وحوض غدامس، إضافة إلى المناطق المغمورة في البحر المتوسط، وهي مناطق لم تحظَ بالاهتمام الكافي خلال العقود الماضية.
وأكد أن استغلال هذه الإمكانات يتطلب رؤية استراتيجية طويلة الأمد وإرادة سياسية داعمة واستقرارا إداريا وفنيا، إلى جانب استثمارات مالية ضخمة وتقنيات متقدمة، وهو ما يستدعي الاستعانة بشركات عالمية كبرى ذات خبرة بدل الاعتماد على شركات صغيرة محدودة الكفاءة قد تزيد من تعقيد الأزمة.
وأشار الحضيري إلى أن قطاع الاستكشاف النفطي يواجه تحديات إدارية عدة في مقدمتها ضعف الشفافية والحوكمة وتداخل الصلاحيات بين الجهات المختصة، فضلًا عن عدم استقرار القيادات الإدارية في مؤسسة النفط وشركاتها منذ عام 2011.
ولفت إلى أن البيروقراطية المعقدة في منح التراخيص، واعتماد الميزانيات وغياب قواعد بيانات وطنية محدثة، تمثل عوائق حقيقية أمام اتخاذ القرار الاستثماري السليم في قطاع النفط.
وعلى الصعيد الفني، أوضح الحضيري أن القطاع يعاني من نقص الاستثمارات المخصصة للمسوحات الزلزالية الحديثة وتقادم البنية التحتية في عدد من الحقول، بما يشمل تهالك بعض المكامن، وقدم خطوط الأنابيب، وضعف أعمال الصيانة، مشيرا إلى نقص الكفاءات الوطنية المتخصصة في مجالات الجيولوجيا والجيوفيزياء، ما يزيد من الاعتماد على الشركات الأجنبية في ظل غياب منظومة وطنية قوية للتقييم والمتابعة.
وعلى المستوى القانوني، شدد الخبير النفطي على أن البيئة التشريعية لا تزال بحاجة إلى تحديث شامل يواكب التطورات العالمية في صناعة النفط والغاز، موضحًا أن غموض نماذج العقود ومحاولات استحداث صيغ تعاقدية خارج الأطر القانونية المعهودة، مثل تعدد أنماط الامتياز والمشاركة، وغياب التقنين الواضح، إضافة إلى تعدد المرجعيات القانونية، وضعف الضمانات المقدمة للمستثمرين، كلها عوامل تقلل من جاذبية الاستثمار، خاصة في مناطق الاستكشاف عالية المخاطر.
ولمعالجة هذه المختنقات، دعا الحضيري إلى إعادة هيكلة إدارة القطاع وتعزيز استقلالية مؤسسة النفط، وإسناد إدارتها إلى كفاءات مدعومة بخبرات قانونية واقتصادية متخصصة، مؤكدا ضرورة إطلاق برنامج شامل للمسوحات الجيولوجية والزلزالية برا وبحرا، والاستثمار في التكنولوجيا الحديثة عبر شراكات مع شركات عالمية راسخة، إلى جانب بناء قدرات قادرة على قيادة ملف الاستكشاف والتطوير.
واعتبر الخبير أن تحديث التشريعات النفطية، وتوحيد المرجعية القانونية، وتوفير ضمانات واضحة وجاذبة للاستثمار تمثل خطوات أساسية لاستقطاب الشركاء الدوليين، وتحفيز الاستثمار المباشر في قطاع الاستكشاف.
وشدد عثمان الحضيري، على أن زيادة الاحتياطي النفطي يجب ألا تُفهم بمعزل عن ضرورة تنويع مصادر الدخل من خلال تطوير الصناعات التحويلية والمشروعات الزراعية وقطاع السياحة وغيرها، ضمن رؤية اقتصادية متكاملة تُوظَّف فيها عوائد النفط لبناء قطاعات إنتاجية بديلة، بما يضمن اقتصادا أكثر مرونة واستدامة.
ولفت إلى أن مستقبل ليبيا الاقتصادي مرهون بقدرتها على الانتقال من مرحلة الاستهلاك الآني للثروة النفطية إلى مرحلة الإدارة الاستراتيجية للاحتياطي، بما يحقق الاستقرار المالي، ويؤسس لتنمية حقيقية للأجيال القادمة عبر كفاءات حقيقية، بعيدا عن النمط القبلي والجهوي السائد، محذرا من أن تجاهل هذه التحديات قد يجعل مستقبل قطاع النفط محل شك، ويعرّضه لخطر الانهيار على المدى البعيد.
وتأتي أهمية ملف تعويض الاحتياطي النفطي في ليبيا، في ظل الجهود التي تبذلها الدولة عبر الاستثمار المباشر في عمليات الاستكشاف داخل البلاد، إلى جانب خطط زيادة الإنتاج، إذ أن الاحتياطي النفطي يعد أحد ركائز الأمن الاقتصادي، لاسيما في بلد يعتمد بشكل شبه كلي على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات العامة.
وتكتسب هذه الجهود بعدًا إضافيًا، في ضوء امتلاك ليبيا مساحات شاسعة غير مستكشفة، فضلًا عن الحاجة الملحّة لتنويع مصادر الدخل بما يضمن اقتصادًا أكثر استقرارًا واستدامة.


