رأى أستاذ العلوم السياسية الدكتور يوسف الفارسي أن ما تشهده ليبيا من تدهور متسارع في الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية يُعد أمراً طبيعياً في ظل ما وصفه بـ “فشل” حكومة الدبيبة الحالية في تقديم أي إنجاز حقيقي للمواطن، مؤكداً أن البلاد تعيش حالة من انعدام الاستقرار الحقيقي، وأن المرحلة الماضية اتسمت بهدر واسع للمال العام واستنزاف الموارد دون تحقيق استقرار فعلي أو بناء مؤسسات الدولة.
وأوضح الفارسي في حديث لقناة «ليبيا الحدث» أن الحكومة أنفقت مبالغ ضخمة دون أن ينعكس ذلك على تحسين الخدمات أو أوضاع المواطنين، في وقت تغيب فيه رؤية وطنية واضحة لبناء الدولة، مقابل انتشار الميليشيات واستمرار الفوضى الأمنية التي لم تقتصر آثارها على السرقات فقط، بل طالت أرواح المواطنين.
وأشار الفارسي إلى أن الأوضاع المتردية في مناطق الشرق والجنوب تعكس ضعف الحكومة في تقديم الإمكانيات والخدمات اللازمة، مؤكداً أنه لم يمر على ليبيا أي يوم واحد من الاستقرار الحقيقي، وأن حكومة الدبيبة لم تقدم حتى أبسط أشكال الدعم في مجالات العلاج أو المساعدات الإنسانية.
ولفت إلى أن التدهور الاقتصادي بلغ مستويات “خطيرة جداً”، في ظل الارتفاع غير المسبوق للأسعار، وتراجع سعر صرف الدينار، وزيادة أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تأخر صرف المرتبات، ما أدى إلى تصاعد موجة الاحتجاجات الشعبية في عدد من المدن بما فيها العاصمة طرابلس.
وأكد الفارسي أن هذه المظاهرات يقودها المواطن الليبي بشكل تلقائي، تعبيراً عن رفضه للواقع المعيشي الصعب، وأن الشارع بات أكثر استعداداً للمطالبة بإسقاط الحكومة بعد أن أصبح الوضع يمس قوت المواطن بشكل مباشر.
وحمل الفارسي حكومة الدبيبة مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، واصفاً إياها بـ “الفاسدة”، ومعتبراً أن أداؤها “كارثي وسيئ”، وأنها وصلت إلى طريق مسدود، ولا تزال متمسكة بالسلطة وتسعى لكسب الوقت عبر خطوات سياسية لا تعالج جوهر الأزمة، خاصة في غرب البلاد، بل أسهمت في تعميق الانقسام السياسي وزيادة حالة الارتباك المؤسسي.
وعن الصور المتداولة لرئيس الحكومة بعد خروجه من المستشفى، أكد الفارسي أن المرض أمر إنساني لا يجوز السخرية منه، إلا أن تلك الصور كشفت ضعف إدارة الحكومة للمرحلة الحالية وأكدت أن أداؤها لم يعد قادراً على مواكبة حجم التحديات التي تمر بها البلاد.
وانتقد الفارسي ترؤس بعض الشخصيات لاجتماعات حكومية خارج نطاق اختصاصها، معتبراً ذلك دليلاً على حالة الفوضى والانقسام داخل الحكومة وتعدياً واضحاً على الصلاحيات، وهو ما يعكس حالة من الارتباك المؤسسي السائد في غرب البلاد.
وحول آفاق المرحلة المقبلة، توقع الفارسي تصاعد التحركات الشعبية خلال الفترة القادمة، محذراً من اتساع رقعة الاحتجاجات في العاصمة طرابلس وغرب البلاد في ظل وجود جماعات مسلحة قد تسعى لإفشال أي تحرك شعبي أو مسار سياسي، لكونها مستفيدة من استمرار حالة الفوضى، معتبراً أن هناك مخاوف حقيقية من لجوء بعض التشكيلات المسلحة إلى القمع أو الاعتقالات القسرية.
كما انتقد الفارسي دور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، واعتبر أنها تنتهج مساراً إقصائياً يدعم أطرافاً سياسية بعينها، ما يزيد من تعقيد المشهد ويخدم مصالح دولية على حساب الحل الوطني.
وأكد أن العملية السياسية التي تقودها البعثة تفتقر إلى رؤية واضحة واستراتيجية حقيقية لحل الأزمة، في وقت يطالب فيه الشارع الليبي بحلول جذرية.
وختم الفارسي حديثه بالتأكيد على أن ليبيا عانت ولا تزال من جماعات أفسدت المشهد السياسي وأعاقت أي محاولة للإصلاح، محذراً من أن استمرار الوضع على ما هو عليه سيقود البلاد إلى مزيد من التعقيد وعدم الاستقرار، ومعرباً عن أمله في أن تشهد البلاد انفراجات قريبة تضع حداً لحالة الانقسام وتفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقراراً.


