قال الدكتور سعد الغديوي، الخبير في إدارة الأزمات، إن ما تم تداوله مؤخرًا من قبل جهات رسمية في ليبيا وعلى رأسها مكتب النائب العام يؤكد تورط بعض ضعاف النفوس في تزوير تزوير وثائق رسمية لأشخاص غير ليبيين وتسهيل حصولهم على مستندات تثبت أنهم مواطنون ليبيون.
وأضاف الغديوي في تصريح نقلته وكالة “سبوتنيك” أن هذه الوثائق المزورة استخدمت لاحقًا لاستخراج جوازات سفر ليبية والحصول على منح مالية ومزايا مخصصة للمواطنين الليبيين فقط، معتبرًا أن هذه الوقائع تؤكد ما تم التحذير منه سابقًا، وهو أن غياب الاستقرار السياسي وتفكك مؤسسات الدولة وفّرا بيئة خصبة لمثل هذه الجرائم.
وأكد الخبير أن تزوير الأرقام الوطنية يعد جريمة كبرى يعاقب عليها القانون لما لها من آثار مباشرة على حياة المواطنين وحقوقهم الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن كونها تمثل خرقًا جسيمًا للأمن القومي والاجتماعي وانتهاكًا للقيم والمعتقدات والأعراف الاجتماعية والدينية.
وأوضح أن هذه الجرائم تعد أحد أشكال تغيير الأنساب والعبث بالتركيبة السكانية عبر إدخال أشخاص غرباء إلى المجتمع الليبي ودمجهم فيه بطرق غير شرعية وغير أخلاقية، وبما يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.
وأشار إلى أن الخطورة تتضاعف عندما يكون بعض المتورطين في هذه القضايا أشخاصًا لا يملكون أي أوراق رسمية صادرة عن دول أخرى، ما يدفعهم إلى شراء وتزوير مستندات من أي بلد وبأي وسيلة كانت للحصول على هوية قانونية.
ولفت إلى احتمال أن يكون بعض المتورطين ليبيين في الأصل لكنهم واجهوا مشاكل أو عوائق حالت دون استخدام مستنداتهم الأصلية فلجأوا إلى تزوير وثائق جديدة، وهو ما يُرجح حدوثه في بعض الحالات التي كُشف عنها مؤخرًا.
وشدد الغديوي على أن هذه الظاهرة إن لم يتم التصدي لها بحزم قد تتحول إلى أزمة وطنية شاملة، داعياً إلى التعامل معها كملف أمني وسيادي بالغ الخطورة.
وأكد أن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق الأجهزة الأمنية وعلى رأسها جهاز المخابرات العامة بجميع مكوناته باعتباره صمام الأمان في مواجهة هذه التحديات التي تهدد كيان الدولة.
واختتم الخبير في إدارة الأزمات قائلا: إن غياب الدولة عن أداء دورها الأساسي هو السبب الجوهري في انتشار مثل هذه السلوكيات الدنيئة التي لا تعكس أخلاق الشعب الليبي المحافظ ولا تمثل قيمه وتاريخه.
ولم يعد تزوير الأرقام الوطنية في ليبيا مجرد تجاوزات فردية أو حالات معزولة، بل تحوّل إلى مؤشر خطير على خلل عميق في منظومة إدارة الهوية المدنية، بما يهدد الحقوق القانونية للمواطنين ويطرح تساؤلات جدية حول سلامة قواعد البيانات الرسمية التي تُبنى عليها السياسات العامة للدولة.
فالرقم الوطني الذي يفترض أن يكون المرجعية الأساسية لإثبات الشخصية والجنسية أصبح في بعض الحالات أداة قابلة للتلاعب تستخدم للحصول على امتيازات مالية أو قانونية أو إدارية دون وجه حق.
وتعتبر النيابة العامة في ليبيا هي حجر الزاوية في معركة استعادة هيبة الدولة وحماية الحق العام، فهذه القضية تضرب في عمق السيادة الوطنية وتهدد الثقة في مؤسسات الدولة وتفتح الباب أمام انتهاكات قانونية وأمنية خطيرة.
لذلك، فإن إن تحرّك النيابة العامة في ملاحقة المتورطين دون استثناء أو انتقائية يمثل اختبارًا حقيقيًا لجدية الدولة في فرض سيادة القانون، كما أن الرأي العام ينتظر إجراءات واضحة تمنع تكرار هذه الجرائم مستقبلاً عبر إصلاح منظومة السجل المدني وحماية قواعد البيانات الوطنية.


