أكد الكاتب والباحث السياسي محمد محفوظ أن الحراك الشعبي الأخير في عدد من المدن الليبية يأتي في سياق تراكمي من الغضب الشعبي، مدفوعًا بسلسلة من التطورات السياسية والأمنية، أبرزها حادثة سقوط طائرة الفريق أول محمد الحداد، إلى جانب المظاهرات الواسعة التي شهدتها مدينة مصراتة، والتي أعادت الزخم إلى الشارع الليبي وحرّكت احتجاجات في مناطق أخرى.

أضاف محفوظ، في مداخلة على قناة “العربية الحدث”، أن الدعوات التي انطلقت عقب مظاهرات مصراتة، خاصة حراك أبناء سوق الجمعة في طرابلس، جاءت لتجديد المطالبة بإسقاط الأجسام السياسية القائمة، وهي مطالب متكررة ناتجة عن حالة الانسداد السياسي المستمر، الذي تتحمل مسؤوليته الأجسام نفسها، وما ترتب عليه من تعطيل لمسار التغيير الحقيقي في البلاد.

وأشار إلى أن حالة السخط الشعبي باتت واضحة في الشارع الليبي، لا سيما بعد الآمال التي علّقها المواطنون على خارطة الطريق التي أعلنتها بعثة الأمم المتحدة، مؤكدًا أن البطء في تنفيذ هذه الخارطة، وعدم تحقيق تقدم ملموس، فاقما حالة الإحباط، خاصة في ظل غياب خطوات فعلية تقود إلى الانتخابات، سواء على مستوى القوانين أو عمل المفوضية، نتيجة تعنت الأطراف السياسية ورفضها التوافق.

وأكد محفوظ أن فشل عقد لقاء بين رئيسي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في باريس، رغم محاولات وتنسيقات استمرت لفترة، يعكس أن المسار السياسي يسير في اتجاه غير صحيح، في ظل رفض الأطراف الجلوس حتى على طاولة واحدة.

أضاف، فيما يتعلق بحديث رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة عن تعديل وزاري، أن الأوساط المقربة من الحكومة تتحدث عن تعديل قد يشمل أطرافًا كانت مناوئة للحكومة في المنطقة الغربية، إلى جانب إشراك أطراف فاعلة من الشرق، وذلك في إطار المبادرة الأميركية التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس.

وأشار محفوظ إلى أن هذا التوجه يعكس قبول الخصوم بالدخول في شراكة سياسية جديدة، لكنه يتناقض مع مطالب الشارع الليبي الرافض لتكرار الصفقات السياسية، معتبرًا أن أي تعديلات وزارية محتملة لن تُبنى على الكفاءة أو معايير واضحة، بل ستعيد إنتاج مشهد تقاسم السلطة الذي أثبت فشله مرارًا.

وأكد أن المواطن الليبي كان ولا يزال يدفع ثمن الترتيبات والصفقات السياسية، لافتًا إلى أن الأوضاع الاقتصادية المتردية التي صنعتها الأطراف الرسمية تثير تساؤلات حقيقية حول احتمال دخول البلاد في “ثورة جياع” إذا استمر الوضع على حاله.

وأشار إلى أن الأزمة الأمنية، خاصة في طرابلس والمنطقة الغربية، ظلت مرتبطة بشكل وثيق بالأزمة السياسية خلال السنوات الماضية، موضحًا أن التوترات والاشتباكات لم تكن صراعات مسلحة بقدر ما كانت انعكاسًا للاستقطاب السياسي واصطفاف الأطراف مع الحكومة أو ضدها.

وشدد محفوظ على أن معالجة الملف الأمني لن تتحقق دون معالجة جذرية للأزمة السياسية، تبدأ بتشكيل حكومة موحدة، وبالتوازي وضع خارطة طريق واضحة تقود فعليًا إلى الانتخابات، محذرًا من أن إشراك أطراف من الشرق أو الغرب في تعديلات وزارية لن ينهي الانقسام، بل سيكرسه.

وختم بالتأكيد على أن الحراك الشعبي يبقى العامل الأهم القادر على فرض التغيير والضغط على الأجسام السياسية للقبول بمسار يقود إلى الانتخابات، معتبرًا أن التعويل على بعثة الأمم المتحدة وحدها غير كافٍ دون دعم دولي حقيقي، في ظل ما وصفه بتركيز بعض القوى الدولية على المصالح الاقتصادية وتدفق الطاقة على حساب المسار السياسي الشامل.

Shares: