قالت صحيفة “إرم بيزنس” إن خط الغاز «غرين ستريم» الواصل بين ليبيا وإيطاليا يقف عند مفترق طرق حاسم، يعكس التناقض بين الإمكانات الضخمة والقيود السياسية والاقتصادية والأمنية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات، وذلك وسط طموح ليبي بالتحول إلى بوابة رئيسية لتصدير الغاز نحو أوروبا، وواقع تشغيلي لا يتجاوز 20% من القدرة التصديرية.

وأضافت الصحيفة أن الخط الذي أُنجز عام 2004 ليكون جسراً استراتيجياً لنقل الغاز الليبي إلى السوق الأوروبية عبر البحر المتوسط، ما يزال عاجزاً عن أداء دوره الكامل، ما يثير تساؤلات متزايدة حول قدرة ليبيا على تحويل بنيتها التحتية الجاهزة إلى نفوذ طاقي فعلي داخل واحدة من أكثر أسواق الطاقة تنافسية في العالم.

وكشف وزير النفط والغاز الليبي خليفة عبد الصادق أن خط «غرين ستريم» يعمل حالياً بأقل من 20% من طاقته التصديرية، رغم امتلاك ليبيا احتياطيات كبيرة من الغاز وبنية تحتية مؤهلة، مؤكداً أن السوق الأوروبية تمثل الخيار الأقرب والأكثر جدوى للغاز الليبي.

وأوضح عبد الصادق في تصريحات نقلتها “إرم بيزنس”، أن ليبيا تمتلك احتياطيات تقليدية تُقدّر بنحو 70 تريليون قدم مكعب من الغاز، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن الموارد غير التقليدية قد تتجاوز تريليون قدم مكعب، وربما تصل إلى 200 تريليون قدم مكعب، ما يعزز فرص البلاد في لعب دور محوري ضمن منظومة أمن الطاقة الأوروبية.

وأوضحت “إرم بيزنس” أن ليبيا تعتمد بنسبة تقارب 98% على النفط والغاز لتلبية احتياجاتها من الطاقة، فيما تُقدّر احتياطياتها شبه الرسمية بنحو 48.8 مليار برميل من النفط و1.4 تريليون متر مكعب من الغاز، ويُعد النفط المحرك الرئيسي للاقتصاد الليبي، إذ يشكل نحو 96% من الصادرات وما يقارب 98% من إيرادات الخزانة العامة.

ويرى رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية، المحلل الاقتصادي خالد بوزعكوك، أن خط «غرين ستريم» يمتلك قابلية حقيقية لتحقيق قفزة نوعية في معدلات التصدير، شرط توفير حوافز استثمارية تنافسية من الناحيتين المالية والقانونية، بما يشجع شركات النفط العالمية على ضخ استثمارات جديدة في قطاع الغاز الليبي.

وأوضح بوزعكوك في تصريحات نقلتها “إرم بيزنس”، أن هذه الحوافز من شأنها رفع كفاءة المنشآت القائمة، وتحديث الآبار القديمة، وتطوير خطوط النقل، بما يسهم في زيادة إنتاجية الحقول، ويعزز من القيمة الاستراتيجية لخط «غرين ستريم» كأحد أهم أوراق ليبيا في علاقتها مع أوروبا.

وشدد على أن العقبة الأكبر تظل سياسية وأمنية، تتمثل في غياب الاستقرار المؤسسي، والانقسام الحكومي، وعدم وجود سلطة منتخبة موحدة، إلى جانب استمرار سيطرة المليشيات على مواقع إنتاج الغاز وموانئ التصدير.

وأشار إلى أن هذه المواقع شهدت خلال السنوات الماضية إغلاقات متكررة، دفعت مؤسسة النفط إلى إعلان حالة القوة القاهرة في أكثر من مناسبة، ما تسبب في توقف إمدادات الغاز إلى إيطاليا وتعطيل خط «غرين ستريم» بشكل متكرر.

وبحسب بيانات رسمية، تكبد قطاع الطاقة الليبي خسائر تُقدّر بنحو 100 مليار دولار منذ عام 2011، نتيجة الصراعات المسلحة والاضطرابات السياسية والإغلاقات المتكررة للحقول والموانئ النفطية.

من جهته، أوضح المستشار السابق بوزارة النفط والخبير في شؤون الطاقة الدكتور أحمد الغابر أن خط «غرين ستريم» صُمم في بدايته لنقل نحو 800 مليون قدم مكعب يومياً من الغاز الجاف إلى إيطاليا، يتم إنتاجها من حقل بحري، إضافة إلى كميات أخرى من حقل غاز يقع جنوب مدينة غدامس.

وأشار الغابر في تصريحات نقلتها “إرم بيزنس”، إلى أنه مع بدء الإنتاج عام 2004، كان حجم الغاز المنتج يكفي لتغطية كامل طاقة الخط، إلى جانب تلبية احتياجات السوق المحلية لتوليد الكهرباء، وفقاً للعقود المبرمة بين مؤسسة النفط وشركة «إيني» الإيطالية.

لكن تزايد الطلب المحلي على الغاز، خاصة لتشغيل محطات توليد الكهرباء، أدى إلى توجيه كميات أكبر للسوق الداخلية، ما تسبب في تراجع حجم الصادرات إلى إيطاليا ليصل إلى نحو ربع المعدل الأساسي.

وأوضح الغابر أن المؤسسة الوطنية للنفط وشركة «إيني» تعملان منذ سنوات على تطوير حقلين قريبين من مواقع الإنتاج الحالية، بهدف سد احتياجات السوق المحلية وتوفير كميات إضافية للتصدير عبر «غرين ستريم»، إلا أن هذه المشاريع تواجه عراقيل كبيرة بسبب الأوضاع السياسية والأمنية وتعقيد إجراءات التمويل والتنفيذ.

وأكد أن الحديث عن وجود طاقة فائضة في الخط للمشاركة في مشاريع إقليمية لتصدير الغاز من أفريقيا إلى أوروبا يبقى نظرياً ومشروطاً بتنفيذ مشاريع فعلية لزيادة الإنتاج من الحقول المكتشفة والجديدة.

ورغم كل التحديات، تؤكد الحكومة الليبية امتلاكها رؤية طموحة لتحويل البلاد إلى مركز إقليمي لتجميع الغاز الأفريقي وتصديره إلى أوروبا، مستفيدة من موقعها الجغرافي وتكلفة نقل الغاز عبر الأنابيب، التي تُعد أقل من الغاز المسال.

وفي هذا الإطار، أعلنت ليبيا طرح 22 منطقة جديدة للتنقيب البحري والبري في أول جولة من نوعها منذ أكثر من 17 عاماً، في خطوة تهدف إلى زيادة الاحتياطيات وتعزيز الإنتاج وضمان مستقبل اقتصادي أكثر استقراراً.

وتعاني ليبيا منذ عام 2011 من عجز مزمن في الكهرباء، نتيجة تهالك محطات التوليد، وغياب الصيانة، والأعمال التخريبية، والانقسام السياسي، حيث يتراوح العجز بين ألف ميغاواط شتاءً وأكثر من 2500 ميغاواط صيفاً، رغم إنتاج يومي يتراوح بين 5.5 و8 آلاف ميغاواط.

وبلغ إنتاج ليبيا اليومي من الغاز الطبيعي نحو 220 ألفاً و638 برميلاً مكافئاً، يُصدر منها نحو 24% فقط، بينما يُخصص 49% للاستخدام المحلي، و11% للتشغيل، و16% للحرق، وفق بيانات إعلامية محلية.

 

Shares: