قالت صحيفة العرب إن عودة المظاهرات والاحتجاجات إلى عدد من مدن الغرب الليبي، وفي مقدمتها طرابلس ومصراتة والزاوية، للمطالبة برحيل حكومة عبدالحميد الدبيبة وكافة الأجسام السياسية القائمة، لا تعكس أي مؤشرات على انفراج قريب يعيد الأمن والاستقرار إلى البلاد، بقدر ما تكشف عن تصاعد حالة الاحتقان الشعبي والسياسي، التي أربكت حسابات الدبيبة وبعثرت أوراق التوازنات التي حاول فرضها على قاعدة الأمر الواقع.

وأضافت الصحيفة اللندنية أن الأدوات التي لجأت إليها الحكومة للتعتيم على هذه التحركات، إلى جانب الاستعراضات العسكرية والأمنية المكثفة التي شهدتها شوارع طرابلس عبر انتشار العربات المصفحة وخروجها من المعسكرات، فشلت في ثني المحتجين عن النزول إلى الساحات والميادين في ليبيا، للتعبير عن غضبهم من استمرار الانسداد السياسي وتواصل الانقسام المؤسساتي، والمطالبة برحيل جميع الأجسام السياسية بما فيها حكومة الدبيبة.

وأوضحت العرب أن العاصمة طرابلس شهدت مظاهرات ليلية صاخبة، أقدم خلالها المحتجون على إشعال الإطارات المطاطية وإغلاق عدد من الطرقات الرئيسية، وعلى رأسها الطريق الساحلي، فيما تجمع المئات في ميدان الجزائر وسط العاصمة، رافعين شعارات ولافتات تؤكد رفضهم لما وصفوه بـ”حكم العائلة” و”حكم العسكر”.

وردد المتظاهرون هتافات مباشرة ضد الدبيبة، من بينها “صبرك صبرك سوق الجمعة تحفر قبرك”، إلى جانب شعارات تطالب بإنهاء المرحلة الانتقالية الحالية، وإجراء استفتاء على الدستور تمهيدًا لتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية نزيهة وشفافة.

وذكرت الصحيفة أن في هذا السياق، شدد حراك أبناء سوق الجمعة، في بيان وُزع خلال الاحتجاجات، على أنه لا مكان لحكومة الفساد ولا للأجسام السياسية الفاشلة على أرض ليبيا، مؤكدًا أن الوطن أولًا، وكرامة الليبي خط أحمر، وأن زمن الفساد والنهب والعبث قد انتهى، واصفًا ما تشهده البلاد بأنه لحظة كسر الصمت والتخلي عن السلبية والالتفاف حول الوطن.

وكان الحراك قد دعا في بيان سابق الشعب الليبي إلى الخروج السلمي إلى الشوارع والساحات، احتجاجًا على الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية التي قال إنها بلغت مرحلة الانهيار نتيجة استمرار الفساد ونهب مقدرات الدولة.

ولم تقتصر الاحتجاجات، وفق الصحيفة، على العاصمة طرابلس، بل امتدت إلى مدن أخرى، من بينها مصراتة التي شهدت تحركات احتجاجية رفع خلالها المحتجون شعارات تطالب بإسقاط حكومة الدبيبة ورحيل جميع الوجوه السياسية في شرق وغرب البلاد، مرددين هتافات من بينها “ارحلوا ارحلوا”.

وأشارت صحيفة العرب إلى أن مدينة الزنتان شهدت مظاهرات مماثلة، شارك فيها العميد العجمي العتيري، الذي ألقى كلمة أمام المحتجين، أكد فيها أن الحراك الشعبي سيواصل اعتصاماته في الميادين، مع تصعيد الاحتجاجات خلال الفترة المقبلة في حال عدم الاستجابة للمطالب، مشددًا على ضرورة تشكيل حكومة تهتم بالشعب وتحافظ على موارد البلاد وتعمل على إخراج القواعد الأجنبية، مؤكدًا أن الاعتصامات ستستمر حتى إصلاح المسار السياسي والوصول إلى دستور وانتخابات وبرلمان جديد.

وترى العرب أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن هذا الحراك الشعبي، الذي اتسعت دائرته ليشمل غالبية مدن الغرب الليبي، مرشح لمزيد من التوسع، في ظل حالة الاحتقان الاجتماعي غير المسبوقة التي تعيشها البلاد، وتكرار التوترات الأمنية التي كثيرًا ما تحولت إلى اشتباكات مسلحة زادت من معاناة المواطنين.

ورغم أن مثل هذا الاحتقان السياسي والاجتماعي بات مألوفًا في المنطقة الغربية الخاضعة لنفوذ الميليشيات المسلحة، التي وجدت في الانقسام السياسي بيئة خصبة للتغلغل في مفاصل الدولة، إلا أن مراقبين يرون أن اتساع رقعة الاحتجاجات من شأنه التأثير في أسس التوازنات التي يستند إليها الدبيبة للاستمرار في الحكم.

ويذهب بعضهم إلى أن هذا الحراك قلّص هامش المناورة أمام الدبيبة، وأربك حساباته السياسية، لا سيما بعد تعثر إعلان التعديل الحكومي الذي كان مرتقبًا، نتيجة احتدام الصراع على المناصب، فضلًا عن تداعيات مقتل رئيس الأركان محمد الحداد في حادث سقوط طائرته قرب العاصمة التركية، وما أثاره من غموض وتساؤلات.

وفي المقابل، يرى آخرون أن الدبيبة، الذي يدرك أن بقاء حكومته بات على المحك، قد يلجأ إلى محاولة تغيير موازين القوى لصالحه داخليًا عبر تمكين بعض المجموعات المسلحة، وإقليميًا ودوليًا من خلال التلويح بورقة الاستثمارات الليبية وعقود النفط، سعيًا لكسب مواقف داعمة له.

وخلصت صحيفة العرب إلى أن مصير الدبيبة لم يُحسم بعد، وأن المشهد الليبي سيبقى متأرجحًا بين الانفراج والتأزم، في ظل حالة من الضبابية السياسية والأمنية، تفتح الباب أمام سيناريوهات متضاربة ومقلقة، ولا تستبعد عودة شبح المواجهات المسلحة التي قد تقوض ما تبقى من استقرار نسبي في البلاد.

Shares: