أكد تقرير إسباني نشره موقع “دياريو أي أس أس.أيل” الناطق بالإنجليزية أن مشروع النهر الصناعي يُعد أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في ليبيا.

 

التقرير وصف إياه بالعمل الهندسي العملاق الذي مولته الدولة الليبية في أوائل سبعينيات القرن الماضي دون أي دعم خارجي، مع تأسيس هيئة النهر الصناعي رسميًا في الثالث من أكتوبر عام 1983.

وأوضح التقرير أن المشروع صُمم لتزويد الساحل الليبي بمياه أحفورية مستخرجة من أعماق الصحراء الكبرى، تعود إلى العصر الجليدي الأخير، وذلك عقب اكتشاف طبقات مائية جوفية ضخمة في جنوب البلاد خلال عمليات التنقيب النفطي التي بدأت عام 1953.

أضاف التقرير أن هذه المياه تنتمي إلى نظام الحجر الرملي النوبي، الذي يُعد واحدًا من أكبر الخزانات الجوفية في العالم، حيث يخزن آلاف الكيلومترات المكعبة من المياه العذبة، ويتراوح عمرها بين عشرة آلاف ومليون عام.

وأشار التقرير إلى أن التوجه الأولي للمشروع كان يستهدف إقامة مشاريع زراعية واسعة داخل المناطق الصحراوية، قبل أن تشهد الاستراتيجية تحولًا في مطلع ثمانينيات القرن الماضي نحو إنشاء شبكة أنابيب ضخمة لنقل المياه إلى الساحل، حيث وُضع حجر الأساس في منطقة السرير عام 1984، تلاه افتتاح مصانع الأنابيب الجاهزة عام 1986، والتي اعتُبرت الأكبر عالميًا لإنتاج الخرسانة مسبقة الإجهاد.

أضاف التقرير أن اتفاقا وُقع في مارس 1990 بين هيئة النهر الصناعي ومنظمة اليونسكو بهدف التعاون المؤسسي وتسجيل المشروع ومنح جوائز دورية لدعم البحوث التقنية، مشيرا إلى منح جائزتين في عامي 2001 و2007.

وبيّن التقرير أن المشروع نُفذ عبر خمس مراحل رئيسية، حيث اكتملت المرحلة الأولى في 28 أغسطس 1991 بعد حفر 85 مليون متر مكعب من التربة، فيما بدأت المرحلة الثانية في سبتمبر 1996 وأسفرت عن وصول المياه لأول مرة إلى العاصمة طرابلس.

أضاف التقرير أن الشبكة تمتد عبر الصحراء الليبية بأكثر من 1300 بئر يتجاوز عمق الواحد منها 1640 قدمًا، ويبلغ طول الأنابيب العاملة حاليًا نحو 1750 ميلًا، على أن يصل الطول الإجمالي عند اكتمال جميع المراحل إلى 2485 ميلًا، بطاقة يومية تزيد قليلًا عن 1.7 مليار غالون من المياه العذبة، تغطي نحو 70% من الاستهلاك الحضري في ليبيا، بما يشمل طرابلس وبنغازي وسرت.

وشدد التقرير على أن المشروع واجه تحديات كبيرة بعد عام 2011، تمثلت في تقليص التمويل الحكومي، وانقطاع التيار الكهربائي، وتضرر البنية التحتية، وصعوبات استيراد قطع الغيار، إضافة إلى استهداف مصانع أنابيب البريقة بضربة جوية لحلف شمال الأطلسي في يوليو من العام نفسه.

وأكد التقرير أن المرحلة الخامسة من المشروع، والتي تُقدّر تكلفتها بنحو 7 مليارات دولار، تقترب من الإنجاز بهدف توسيع نطاق التغطية إلى مناطق ريفية وشمالية لا تزال خارج الشبكة، إلا أنه شدد على أن المنظومة الحالية لن تكون قادرة على تلبية كامل احتياجات ليبيا المائية، في ظل وجود فجوة واضحة بين تكاليف الإنتاج وأسعار البيع للمستهلكين، ما يهدد الاستدامة المالية للمشروع.

وأوضح التقرير أن الخزان الجوفي المستخدم يُعد موردًا غير متجدد، محذرًا من تقديرات تشير إلى احتمالية نضوبه خلال القرن الحادي والعشرين ما لم تُعتمد حلول بديلة، مثل تحلية المياه والإدارة الرشيدة للموارد، رغم إقراره بأن المشروع أسهم بشكل كبير في تحسين جودة الحياة وتقليل الضغط على الخزانات الساحلية.

ونقل التقرير عن الباحثة ليلى التومي قولها إن المشروع، حتى بعد اكتمال جميع مراحله، لن يغطي كامل الطلب المائي في ليبيا، موضحة أن إنتاجه السنوي سيبلغ نحو 607 مليارات و600 مليون غالون مقابل طلب متوقع يصل إلى تريليونين و600 مليار غالون بحلول عام 2035، ما يستوجب التوسع في تحلية المياه وإعادة استخدامها.

كما أورد التقرير رأيًا للصحفي باتريك هينينغسن، الذي اعتبر أن ليبيا تمتلك فرصة حقيقية لتحويل مشاريع المياه والري إلى قاعدة لمشروع زراعي واسع النطاق قادر على تزويد السوق الأوروبية بالمنتجات الزراعية.

وخلص التقرير الإسباني إلى ضرورة تبني حزمة حلول استراتيجية تشمل وضع خطة مالية مستدامة، وتسعيرًا فعالًا للمياه، وتنفيذ برامج صيانة دورية، واعتماد إدارة ذكية للموارد المائية، إلى جانب دمج التحلية وإعادة التدوير، بما يضمن إطالة عمر مشروع النهر الصناعي والحفاظ على المياه الأحفورية للأجيال القادمة.

Shares: