يرى المستشار العسكري السابق للمجلس الرئاسي وعضو لجنة الأمن القومي بمجلس الدولة الاستشاري، العميد عادل عبدالكافي، أن فرنسا تعمل حاليا على تحسين صورتها في ليبيا من خلال الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية، بعد أن تراجعت فرصها في التأثير عبر الدعم العسكري المباشر لأي طرف من أطراف الصراع.

وأكد عبدالكافي، في تصريح نقلته “اندبندنت عربية”، أن الأطماع الفرنسية لا تزال موجهة بشكل أساسي نحو الجنوب الليبي، ولا سيما إقليم فزان الذي يُعد من مناطق النفوذ التاريخي لفرنسا.

وشدد على أن الأولوية الفرنسية اليوم تتمثل في تأمين استمرارية استثماراتها داخل ليبيا، خصوصاً في قطاع الطاقة، حيث تمتلك باريس إحدى كبرى الشركات النفطية العالمية وهي شركة “توتال” Total، التي تخوض منافسة محتدمة مع الشركة الإيطالية “إيني” ENI.

وأشار إلى أن شركة “توتال” تُعد إحدى أهم أدوات الدبلوماسية الاقتصادية الفرنسية للتحرك داخل ليبيا، في ظل تضاؤل هامش المناورة السياسية والعسكرية لباريس.

وأضاف عبدالكافي أن الدور الفرنسي في دول الساحل والصحراء، وكذلك في ليبيا، كان خلال العقود الماضية محل انتقادات واسعة، لافتاً إلى أن فرنسا خسرت جزءاً كبيراً من نفوذها التقليدي لصالح التمدد الروسي، سواء في ليبيا أو في عمق أفريقيا.

وبيّن أن باريس تحاول اليوم استغلال التغيرات السياسية والأمنية التي تشهدها ليبيا عبر التحركات التي تقودها القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم”، في مسعى لإحداث تقارب بين بعض القوى في طرابلس والجنوب الليبي، بالتنسيق مع معسكر “الرجمة”، بهدف تشكيل نواة قوة تُعنى بحماية الحدود.

وأوضح عبدالكافي أن فرنسا تبحث عن دور لها تحت العباءة الأمريكية، من خلال مشاريع اقتصادية واستثمارية تستفيد منها أطراف إقليمية عدة، أبرزها تركيا ومصر في المنطقتين الشرقية والغربية، مشيرا إلى أن هناك اتفاقات أُبرمت في واشنطن بين أطراف من حكومة طرابلس والإدارة الأمريكية تتعلق بالاستثمارات في النفط الليبي، وهو ما يدفع باريس إلى السعي لحجز موقع لها ضمن هذه الاستثمارات لتعزيز حضورها داخل ليبيا.

وفي تقييمه للتحركات الفرنسية المكثفة خلال العام الجاري، اعتبر عبدالكافي أن هذا التحرك جاء متأخرا، في ظل التغلغل الواسع للنفوذ الروسي في الشرق والجنوب الليبيين وامتداده نحو أفريقيا، في وقت تمسك فيه الولايات المتحدة بخيوط المشهد العسكري شرقاً وغرباً، بما يتيح لها التحكم في المسارات السياسية والاقتصادية داخل ليبيا.

وأضاف أن تعدد القوى الدولية الفاعلة، لا سيما الوجود الأمريكي والتركي والإيطالي إلى جانب التمدد الروسي، جعل فرنسا تشعر بأنها استُبعدت من المشهد، نتيجة انحيازها العسكري السابق لأحد أطراف الصراع، في إشارة إلى دعمها لمعسكر “الرجمة”، وهو ما دفعها، بحسب عبدالكافي، إلى محاولة العودة عبر “البوابة الخلفية”، من خلال الصفقات الاقتصادية أو التأثير في المسارين السياسي والعسكري، لتعويض خسارتها لنفوذها التقليدي.

واستبعد عبدالكافي أن يكون لفرنسا دور سياسي أو عسكري مؤثر في ليبيا خلال المرحلة المقبلة، مؤكداً أن تحركاتها الدبلوماسية الراهنة تندرج أساساً ضمن مساعي الحفاظ على استثماراتها الاقتصادية، في وقت لا تُبدي فيه الولايات المتحدة استعداداً لقبول شراكات استراتيجية في هذا الملف، باعتبار أن سيطرتها على المشهد العسكري تمنحها القدرة على التأثير في المسارات السياسية والاستثمارات النفطية داخل ليبيا.

وشركة توتال الفرنسية موجودة في ليبيا منذ عام 1954، وتسهم في تطوير حقول نفطية ليبية على غرار “المبروك” و”الشرارة” و”الواحة”، وتننج ما يقارب 600 ألف برميل نفط يومياً أي ما يعادل نصف إنتاج ليبيا اليومي من النفط،

وتحاول فرنسا الحفاظ على بقايا نفوذها في أفريقيا انطلاقاً من ليبيا الغنية بالموارد النفطية، بخاصة أنها كانت إحدى مستعمراتها السابقة، إذ سبق أن احتلت فزان (جنوب) بين عامي 1941 و1943، التي يمثل موقعها الجغرافي حلقة ربط بين مستعمرات فرنسية عدة في القارة الأفريقية.

وسارع السفير الفرنسي الجديد في ليبيا تييري فالات بعد اعتماده مباشرة إلى عقد لقاء مع رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، وهو تحرك جاء مباشرة بعد زيارة قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا أفريكوم الجنرال داغفين أندرسون، إلى ليبيا خلال الأيام القليلة الماضية.

Shares: